الغزو المغربي

زرع الأشواك وحصد العاصفة

محمد المختار المامي -  جريدة الصحراء الحرة

لابد لأية مقاربة تروم الحديث عن واقع الاراضي المحتلة وجنوب المغرب، من أن تستحضر بداية فترة الإحتلال المغربي لذلك الجزء من أرض وطننا، تلك البداية التي سادها منطق اقصائي استعماري وعدواني، لايهدف فقط إلى نهب الخيرات، وابادة الشعب وقهره واذلاله، ولكن لجعل الصحراء الغربية أيضاً مجالاً رحباً لتصريف أزماته المركبة، وتصفية حساباته السياسية مع معارضيه.

لقد أعتمد الغزو المغربي على القراءات الايديولوجية الاستعمارية لتاريخنا، كمرجع أساسي لفهم واقعنا، واستنباط الأساليب الاستعمارية الناجعة لاخضاع شعبنا واذلاله، وقد شكلت البنية الانقسامية للقبيلة، البوابة التي ولج منها، والاداة التي حاول توظيفها بشكل سافر، في تمزيق وحدتنا والنيل من مكتسباتنا الوطنية. تلك القراءات الاستعمارية العدوانية التي حاولت قطع صلة ماضي منطقتنا بحاضرها، واختزال تاريخ شعبنا بكل ابعاده الثقافية والاجتماعية والنضالية والانسانية في صراعات قبلبية وعشائرية يجافيها المنطق، ولا يستسيغها العقل السليم. لقد شكلت أحداث ووقائع ومجريات البداية مرجعاً أساسياً لتفسير خلفية الاحتلال المغربي لوطننا، وكشفت بالملموس  عن مبررات ابادته ونفيه واذلاله لشعبنا المقاوم. فماهي دوافع الغزو المعلنة والخفية، وكيف كانت بدايته؟

إذا كان الاستيلاء على جزء من أرض وطننا بالقوة انعكاساً موضوعياً لتلك النزعة التوسعية، التي اعتمدت في غالب الاحيان وسائل غير مشروعة لسد ديون القصر المتفاقمة، وتلبية أحتياجاته المتجددة، والتي كانت على أمتداد عهد العلوييين ذريعة مافتئ الطامعون المتربصون بالمغرب يستغلونها في أغلب الاحيان لاحتلاله ونهب خيراته وإذلال شعبه، وكان الشعب المغربي في كل مرة يدفع الثمن غالياً مقابل استرداد ما اغتصب من ارضه، وسلب من كرامته، وكلما قويت شوكة مقاومته للدخيل، عمل القصرعلى أحتوائه بشتى الحيل كاختلاق انقسامات داخله تصل حد التصفيات الجسدية درءً لاية زعامة قد تأتي من خارجه، إلى أن يستتب الامر للسلطان الجديد - القديم فيعود إلى عادات اسلافه في ماجبلوا عليه من بذخ وترف، ونهب لخيرات المغرب بواسطة الأداة الطيعة المخزن، وهكذا يزيد الاستهلاك على عائدات الضرائب الثقيلة، والنهب وتجارة المخدرات، فتتفاقم الديون ويقع المغرب من جديد رهينة في أيدي الطامعين و المتربصين.

إذا كان هذا سبباً مباشراً للغزو الهمجي لأرض وطننا، بغية الحصول على موارد جديدة تسد الحاجات المتفاقمة للقصر، وتخفف من حدة الديون التي بلغت أقصى حدودها، ولم تعد سياسات جدولتها تجدي نفعاً، فإن ارادة حماية العرش من تهديد المؤسسة العسكرية المتفاقم، كان أيضاً وراء أستعداء الجيران، وأستهداف أراضيهم، من خلال غزو أستيطاني بغيض خصوصاً بعد فشل أنقلاب الصخيرات، الذي كشف النقاب عن تورط مجموعة من الضباط المغاربة الذين كانوا يحظون بثقة الحسن الثاني بشكل خاص، وعلى رأسهم الجنرال محمد أوفقير الذي كان انذاك وزيراً للدفاع وماجوراً عاماً للقوات المسلحة الملكية.

لقد حاول الحسن الثاني أن يجعل من أحتلاله للصحراء الغربية مناسبة سانحة لتصفية حساباته مع بعض أطراف الطبقة السياسية في المغرب، الذين عارضوا طريقة تدبيره للشأن العام من جهة، ومع بعض القادة العسكريين الذين كشفت الاحداث انذاك دخولهم في تحالف قوي معهم. وكان رد الحسن الثاني الاولي و المباشر بعد تصفية خلية الإنقلاب، ومن في ركبها، هو إلغاء منصب وزير الدفاع، والاشراف بنفسه على عملية إخراج الجيش من ثكناته التي كان قد أودعه أياها حين كان وزيراً للدفاع في عهد والده، لما جردهم من السلاح في شمال المغرب خوفاً من إعادة تجربة عبد الكريم الخطابي، وفي الجنوب أيضاً، وأعاد تسليحهم والزج بهم في متاهات الصحراء الغربية.

لقد أبعد الجيش عن مجال السياسة ليتمكن من حسم الصراع السياسي المحتدم لصالحه، تحت ضغط مايسمى بـ"الإجماع الوطني"المفروض بحق القوة والمؤسس على قاعدة الإحتلال الغير الشرعي للصحراء الغربية من جهة، ولفت أنظار المغاربة إلى الإكتشاف الجديد الذي سيكون مصدر لثراء موهوم سيقضي على فقرهم ويضع حداً لمعاناتهم من جهة أخرى.

وكانت تعليمات الحسن الثاني التي وجهها انذاك إلى جيشه الغازي عبر وسائل اعلامه المرئية والمسموعة والمكتوبة، لا تحتمل التأويل إذا قال بالحرف: إذا وجدتهم اسبانياً فسلموا عليه واقتسموا معه زادكم، وإذا وجتم غيره فأقتلوه واسلبوه مالديه، وهذا الغير هو الشعب الصحراوي، ومقاومته الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، التي كانت تستعد أنذاك للدخول في مفاوضات مع المستعمر الاسباني لتسلم أراضيها المستعمرة و بناء الدولة الصحراوية.

لقد عمل الغزو المغربي منذ  وطئت رجله أرض  الساقية الحمراء ووادي الذهب، على تدمير جذور التواصل بين أجيال شعبنا المقاوم، لقطع صلة ماضيها بحاضرها، وكانت نواياه معلنة كما سبقت الإشارة، وفعله مجسد منذ البداية في عملية إفراغ  سريعة للساحة الوطنية من الرعيل الاول باعتباره يشكل تحدياً صريحاً وضمنياً لسياسته الإستعمارية. كانت بداية النكبة قد انطلقت مع شروعه في ابادة لارحمة فيها ولاشفقة لتلك الفئة، سواء بدفنهم أحياء تحت رمال الصحراء دون أن يستثنى الشيخ الهرم، أو المرأة الحامل أو الطفل اليافع، أو أقتفاء آثار الفارين منهم وقنبلتهم بالفسفور والنابالم، أو بإختطاف الآمنين خلف الأسوار في جنح الليل، وفي وضح النهار، أو بإخضاعهم واذلالهم بشتى وسائل الإكراه التي تفنن فيها المخزن. وكان تهجيره ماتبقى من الرحل الصحراويين، وإرغامهم على المكوث خلف الأسوار، بعد أن تم القضاء على ثرواتهم الحيوانية، اقتداءاً بالخطة الفرنسية في معركة أكفيون الشهيرة، وغلق منافذ التجارة الخارجية لخنق نمو الرأسمال الوطني، ولجعل المحتل المغربي ملاذاً أولاً وأخيراً حتى في أبسط متطلبات العيش، آخر جزء من من سيناريو الخطوة الأولى، التي مهدت الطريق أمام أفواج المستوطنين الذين سيكتسحون المنطقة في خطوة موالية، مزودين بتعليمات خاصة من الحسن الثاني مفادها أن عليهم أن يعلموا الصحراويين ابجديات الثقافة المغربية، من لهجة وطهي و زي وخدمات ومعاملات. إنها محاولة يائسة لشغل فراغ موهوم،أستعداداً للجيل الصحراوي الجديد، الذي يجب من وجهة نظر المحتل أن ينشأ ويترعرع في مناخ تهيمن عليه الثقافة المغربية هيمنة مطلقة، بدءاً بالكتاتيب القرآنية مروراً بالمدارس والجامعات و المعاهد العليا، وأنتهاءً بمجالات العمل ودروبه، ناهيك عن الدور الأساسي للشارع و السوق و الملاهي وغيرها من المؤسسات التي تلعب دوراً أساسياً في التنشئة الاجتماعية. بعد هذه الخطوة، جاءت سياسة تهجير الشباب إلى داخل المغرب لإقحامه في نسق العلاقات الاجتماعية المغربية، ولإحتوائه عبر سلسلة من الاكراهات الاجتماعية والاقتصادية و السياسية وغيرها،  في محاولة أخيرة لاستكمال عملية استعابه وهضمه ثم ابتلاعه.

في مناخ هذه أهم سماته نشأ الشباب الصحراوي وترعرع، تلقى تعليمه الأساسي ثم الاعدادي ثم الثانوي فالجامعي لمن كان أقوى على تحمل شظف العيش، وثقل هاجس كابوس الاحتلال.  ومن لم يستطع فأمامه مجالات عمل محدودة الدخل، وفي أغلب الاحيان المهجر بعيداً عن الأهل، ولاتذر فوق حاجة القوت اليومي في ادنى مستوياته، ويستوي في ذلك القطاع العام و القطاع الخاص، أما الباقون وهم الاكثرية فمعرضون لارتياد دروب الانحراف ومزالقها المنصوبة ككمائن  لهم في كل مكان يرتادونه.

من صلب هذا الواقع المرير خرج الجيل الصحراوي الجديد- الاصيل، قوياً ومتماسكاً وقادراً على التغلغل في أحشاء المحتل وسبر أغواره. إته الجيل الصحراوي الذي  سخر له المحتل المغربي كامل طاقاته ومجموع قواه ومرجعياته في سبيل فصله عن أصوله وجذوره. فماهو السر الكامن وراء فشل سياسة الضم والاحتواء المغربية؟

كان حضن الأسرة الصحراوية كمجال محدود في المكان، فضاءً رحباً لتنشئة براعم الجيل المستهدف في قيمه وفي وطنيته وفي شخصيته، وكانت الأم الصحراوية الراعية الاولى لذلك الحضن الدافئ قد جعلت من نفسها روضاً اخاذاً لتنشئة وطنية تنساب في الآذان وفي القلوب والوجدان، كما ينساب الماء العذب الزلال في المشاتل الخصبة، لتشيد متاريس قوية رادعة لكل دخيل وكان الأب الحاضر الغائب رمز تحدي المحتل، وجبهات القتال ساحة ذلك التحدي ومصدر ذلك الإلهام الغريزي المغذي لقوة المجابهة، وعدم الامتثال لإرادة المحتل. في هذا الحضن ذوالحيزالمحدود في المكان، الممتد في الزمان، تتخلص الذوات من ثقل كابوس المحتل المغربي، وتبدأ في الحديث عن "المحظور" بتقصي آخر أخباره وتطوراته، سواء عبر حلقات تنظيمية غالباً ما تفقد بعضها بسبب الإختطافات و الإعتقالات الممنهجة، أو من خلال المذياع.

وكان الحديث عن "المحظور"سراً يثير غريزة حب الاستطلاع، ولكنه لايذاع إلا لمن اكتملت شخصيته، وقد شكلت هذه القاعدة حافزاً قوياً للتنافس لكسب الثقة، سواء داخل الأسرة الواحدة وبين أعضائها، أو في تلافيف النسق الإجتماعي الذي نسجته خيوط علاقات اسرية صحراوية متماسكة فيما بينها برباط التاريخ المشترك و المصير المشترك و المعاناة المشتركة. إنه الإطار الشعبي الوطني الذي ولدت في احضانه الإنتفاضة المباركة، ونهلت من تاريخ مقاومة شعبنا الطويلة بكل معاناتها المتداخلة و المتظافرة والمتكاملة في بنية مركبة ومعقدة يستحضر فيها الحاضر الماضي بكل تفاصيله ليغذي مقاومة معانات الحاضر بكل تحدياته.

لقد استطاع ذلك الجيل الصحراوي الأصيل أن يتجاوز بوعيه وطلائعيته حقول الألغام القبلية والعشائرية الضيقة الأفق، لينشد أفاقاً أكثر رحابة وسعة، يسودها منطق المصير المشترك و المصالح المشتركة، وكان بذلك التحدي القوي يربك حسابات العدو ويفاجئه في كل مرة باختراقات واعية للحزازات والحساسيات التي يصطنعها ويروج لها أذنابه.

 جريدة  الصحراء الحرة   : العدد 386.

 

مقالات أخرى:

- هل تضيع قضية الصحراء بين الجزائر والمغرب؟

- قضية الصحراء الغربية إلى إنفراج؟

- قضية الصحراء الغربية حرب المصالح أبقتها معلقة في كل مرة!

- مفترق الطرق الشرعية الدولية في العلاقات مع المغرب

- المغرب وأستثمار الإرهاب.

- حصاد الإحتلال

-المعارض المغربي هشام المنداري  يكشف أسرار خطيرة من كواليس القصر الملكي المغربي.  

- موريتانيا والنزاع على الصحراء وقصة "أُكلت يوم أُكل الثورُ الأبيض".

 

 

عودة إلى الصفحة الرئيسية