موريتانيا والنزاع على الصحراء

وقصة "أُكلت يوم أُكل الثورُ الأبيض"

حفظ الله بشراي بشير:   باحث في مركز الدراسات الافريقية في جامعة السوربون - باريس  

لطالما وقعت الحكومات اثناء تعاطيها مع معطيات ظرفية، في اخطاء استراتيجية تتطلب عقوداً من الزمن لتجاوز تبعاتها. قصة تعاطي الحكومات الموريتانية مع النزاع على الصحراء الغربية بين المملكة المغربية وجبهة البوليساريو تشكل حالاً مثالية للتدليل على ذلك.

منذ استقلال الجمهورية الإسلامية الموريتانية عام 1960، كان من الواضح ان العمق الحقيقي - الطبيعي للدولة الموريتانية وللمجتمع هو الصحراء الغربية والمجتمع الصحراوي. ففي افق التأسيس لنظرة استراتيجية للموضوع، اكد الرئيس الموريتاني الأسبق المختار ولد داده في خطابه الشهير في مدينة أتار سنة 1975الخطوط العريضة لتلك العلاقة الخاصة قائلاً: "إننا - مخاطباً الصحراويين - نحمل الأسماء نفسها، نتكلم اللغة نفسها، نحتفظ بالتقاليد النبيلة نفسها، نرعى ابلنا في المراعي نفسها على الآبار نفسها..."، لكنه ما كاد يؤكد تلك النظرة البعيدة المدى، حتى سقط - عشر سنوات بعد ذلك - ضحية حسابات ظرفية ضيقة، بدخوله في الحلف المعادي لإرادة الشعب الصحراوي في الحرية والاستقلال، زاجاً بالشعبين الشقيقين في اتون حرب قاسية، كان الأخ خلالها يقتل اخاه، وخسر خلالها الشعبان طاقات وفرصاً ماثلة آنذاك لتنمية وديموقراطية واعدتين. لكن الحلف "عكس الطبيعة" سرعان ما تفكك امام إرادة الحقيقة الدائمة، غير الظرفية، إرادة الشعبين الموريتاني والصحراوي في إدارة الظهر لجراح السنوات الأربع، والتطلع بكل ثقة الى أفق التآخي، التعاضد والتكامل، التي انتهت الى توقيع اتفاق السلام والاعتراف بالوجود الوطني الصحراوي المستقل لتتراجع الحسابات الظرفية الضيقة لحساب النظرة الاستراتيجية اللامحدودة، بالتأسيس لمناخ ايجابي باسم الهوية والمصير المشتركين بين الشعبين، والذي ظل، وربما لم يزل، يطبع علاقات الشعبين الى الآن.

بيد انه، وبالنظر الى طبيعة المعطيات الجديدة على الجبهة الموريتانية، في ما يتعلق بمواقف الأطراف المباشرة والمراقبة في النزاع الصحراوي، يبدو كما لو كان منطق الحسابات الظرفية، بدأ يطل بجرأة من جديد، ضمن تفاصيل عملية تصريف الحكومة الموريتانية لنظرتها - وبالتالي موقفها - من النزاع، خصوصاً بعد زيارة العاهل المغربي لنواكشوط (ايلول/ سبتمبر 2001)، والاتفاقات الاقتصادية الثنائية الموقعة بين البلدين، والتي طاولت - بحسب بعض التقارير - قراراً بإنجاز طريق معبد يربط بين "انواذيبو" في موريتانيا و"لكويرة" في الصحراء الغربية، في خرق واضح لوضع الصحراء من جهة نظر القانون الدولي. الأدهى من ذلك - عملياً - هو الموقف الرسمي للحكومة الموريتانية اخيراً من النزاع، والتي على رغم اعترافها بالجمهورية الصحراوية، لا تتردد في اعلان موقف "غامض" من انها "تدعم اية صيغة تسهم في استقرار المنطقة وأمنها"، وهو - في خطاب غير ديبلوماسي - موقف من لا موقف له.

ان إحداً لا يستطيع لوم الحكومة الموريتانية على اتخاذ موقف ترى انه يخدم المصالح الوطنية لموريتانيا، لكننا - كباحثين - نخشى اكثر ما نخشى ان تكون موريتانيا - بحيادها السلبي الحالي - تصدر عن رؤية ظرفية ضيقة للأمور، وتقوم من غير وعي بدفن خياراتها الاستراتيجية في المنطقة، كما كانت فعلت حكومة "ولد داده" سنة 1975

في نظر الكثير من المراقبين والباحثين الأكاديميين، ثمة عاملان اثنان ينبغي ان يتحكما في تحديد اي موقف جدي لموريتانيا من النزاع في الصحراء الغربية، وكلاهما لا يتفق مع مقاربة "الحياد السلبي" الحالي التي تطبع موقف الحكومة الموريتانية من النزاع.

اولاً: العامل الجيو - استراتيجي الذي يفرض على موريتانيا دعم المشروع الوطني الصحراوي لتكريس السيادة الصحراوية على الصحراء الغربية من اجل اقامة "منطقة عازلة" بينها وبين المملكة المغربية التي ظلت - ولم تزل - تؤكد وجود حقوق سيادية للمغرب في موريتانيا. فمنذ ان اطلق علال الفاسي من مصر ما بين 1953- 1956 اطروحته الشهيرة "المغرب الكبير"، والتي سرعان ما تبناها القصر الملكي، وهذه الأطروحة تشكل احدث الثوابت الكبرى، الى يومنا هذا، في تحديد سياسة المغرب الأقصى تجاه جيرانه. إذ باسم "المغرب الكبير" هاجم المغرب المناطق الجنوبية الغربية للجزائر في "حرب الرمال" سنة 1963، واعتبر موريتانيا جزءاً لا يتجزأ من تراب المملكة حتى سنة 1970، ليقوم باجتياح الصحراء الغربية سنة 1975

ويتردد لدى النخب الموريتانية هذا القول: "اننا - في موريتانيا - لا نستطيع ان نقبل انضمام الصحراء الغربية الى المغرب، إذ ان ذلك يضع المغرب رسمياً على بعد اقل من 40 كلم من تركز ثروتنا الحديدية بـ"ازويرات" والتي تعد عصب الاقتصاد الموريتاني (...) إن امراً كهذا يضع الأمن الاقتصادي الموريتاني على كف عفريت "المغرب الكبير" الذي قد يصحو في اي وقت".

ثانياً: العامل الثقافي / الهويتي، فعلى رغم الضجيج المثار على اطراف نقاش العولمة وأطروحة "الهوية العالمية" النظرية، إلا ان تضاريس الخريطة الإنسانية على ارض الواقع لم تزل حافلة بكل متاريس الهويات الثقافية المحلية كمحدد جوهري في صنع القرار السياسي محلياً وجهوياً ودولياً. وما دام المجتمعان الموريتاني والصحراوي ينتميان في ادق التفاصيل الى الثقافة نفسها، ويحتفظان بكل اعتزاز بهويتهما المشتركة، المختلفة عن هويات المحيط الجغرافي كـ"بيضان"، فإن الحكومة الموريتانية - في حساباتها الاستراتيجية للنزاع - ينبغي ألاّ تتوانى في دعم مكانة ثقافة أو مجتمع البيضان بدعم استقلال الشعب الصحراوي. إذ ان اي انضمام للصحراء الغربية الى المغرب يحكم - بطبيعة الأشياء - على ثقافة البيضان الصحراوية بالانقراض تدريجاً، ليضعف بالتالي من مكانة سلطة البيضان عموماً في المنطقة، ما ينعكس سلباً على مجتمع البيضان الموريتاني الذي يعيش معركة بقاء حقيقية امام اكتساح الثقافة الافريقية. فأحياناً قد لا يتردد المرء كثيراً في الذهاب بعيداً مع رأي الديبلوماسي الموريتاني الذي اكد "اعتقاده بوجود مؤامرة بعيدة المدى بين المغرب والسنغال للقضاء على هوية أو مجتمع البيضان في المنطقة، إذ يكفي ان يتمكن المغرب من ضم المجتمع الصحراوي إليه، حتى تبدأ معركة "سنغلة" موريتانيا، وربما تقسيمها بين المغرب والسنغال لاحقاً".

وفي جميع الأحوال فإن المعطى الثقافي، ينبغي ان يشكل مبرراً آخر ليكون الدعم الموريتاني لاستقلال الصحراء الغربية اكثر وضوحاً وأكثر فاعلية.

وكخلاصة: نتمنى ألا تتعدى الحكومة الموريتانية في موقفها الحالي حدود التكتيك العرضي كتصريف اجرائي لمرحلة قصيرة المدى، مع الاحتفاظ بالبعد الاستراتيجي "التقليدي" في النظرة الموريتانية للنزاع، والتي تتطلب - بحكم الجغرافيا والتاريخ والهوية - موقفاً اكثر وضوحاً في دعم حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال، وإلا فإن موريتانيا لربما تصحو - ذات يوم - بعد فوات الأوان، تجتر حسرة ثور "ابن المقفع" في كتاب "كليلة ودمنة"... "لقد اكلت يوم اكل الثور الأبيض"!!

  الحياة   :  2003/02/21

 

مقالات أخرى:

- هل تضيع قضية الصحراء بين الجزائر والمغرب؟

- قضية الصحراء الغربية إلى إنفراج؟

- قضية الصحراء الغربية حرب المصالح أبقتها معلقة في كل مرة!

- مفترق الطرق الشرعية الدولية في العلاقات مع المغرب

- المغرب وأستثمار الإرهاب.

- حصاد الإحتلال

-المعارض المغربي هشام المنداري  يكشف أسرار خطيرة من كواليس القصر الملكي المغربي.  

-الغزو المغربي:  زرع الاشواك وحصد العاصفة

 

 

عودة إلى الصفحة الرئيسية