موجـز تـاريخي


 

 قبل الحقبة الاستعمارية ظلت الصحراء الغربية الواقعة في أقصى شمال غرب أفريقيا و المؤلفة تاريخياً من اقليمي الساقية الحمراء ووادي الذهب  تحكم بأتلاف قبلي يسمى "يد الاربعين" بعدد أعضاءه  الذين كانت تعينهم القبائل حتى قدوم الاستعمار الاوروبي الذي رد خائباً بسبب المقاومة الباسلة لقبائل الصحراء فقد افشلوا محاولات إنزال بريطانية و ألمانية و فرنسية و برتغالية  في السواحل الصحراوية المواجهة لجزر الكناري وهو مادفع اسبانيا سنة 1984م الى اللجؤ إلى عقد أتفاقيات مع شيوخ القبائل- أصحاب السلطة في الصحراء الغربية-  تقضي بإقامة مراكز على السواحل للتبادل التجاري وإنقاذ  البحارة الذين تجنح سفنهم في السواحل الصحراوية  شرط عدم  توغل الاوروبيين  أكثر من أربعين كم داخل الصحراء الغربية.

رسمت حدود الصحراء الغربية  التي اصبحت مستعمرة اسبانية مع البلدان المجاورة التي كانت كلها مستعمرات فرنسية باتفاقيات دولية وقعت سنوات 1900و 1904و 1912م  وفي الوقت الذي خضعت فيه البلدان المجاورة للاستعمار ظلت المقاومة الوطنية الصحراوية  مستمرة حتى 1935م. وعليه فإن الشعب الصحراء كان آخر من وضع سلاح المقاومة في منطقة المغرب العربي.

تجددت المقاومة بإنتفاضة جهادية سنوات1957-1958م  تمكنت من تحرير معظم الاراضي الصحراوية ولم تنته تلك المقاومة الا بعد هجمة أكوفيون-  أوراغان التي شاركت فيها فرنسا مع اسبانيا لقمع الانتفاضة المسلحة التي شملت كل الاراضي الصحراوية من جهة وخيانة النظام المغربي الذي جرد المجاهدين الذين كانوا في اقليم طرفاية  الواقع في شمال الصحراء  الغربية من سلاحهم واعتقال العديد منهم  مقابل تخلي اسبانيا عن هذا الاقليم  الصحراوي الواسع وضمه للمغرب في صفقة قذرة في أبريل سنة 1958م مثلت حلقة من سلسلة الخيانة و الغدر التي دآب عليها ملوك المغرب ماضياً وحاضرا والتي تشهد عليها مواقفهم الرذيلة  ضد الامير عبد القادر الجزائري و ضد الشعب الصحراوي وضد القضية الفلسطينية.

في ستينيات القرن العشرين بدأت الحركة الوطنية الصحراوية في النهوض في وجه سياسة الادماج و تذويب الهوية العربية الاسلامية للمجتمع الصحراوي بعد اكتشاف اسبانيا للثروات الطبيعية في الصحراء الغربية فقد أعلنت اسبانيا الصحراء الغربية المقاطعة الواحدة و الخمسين في الدولة الاسبانية وماتبع ذلك من اعلانها لقانون الجنسية الذي يدعو الى التزاوج و الاختلاط بين الصحراويين والاسبان  مع التضييق على التعليم العربي و المدارس القرآنية الصحراوية الضاربة في أعماق التاريخ. في ظل هذه الظروف تكون الحزب المسلم الذي أسسه محمد سيد أبراهيم بصيري وهو صحافي صحراوي تلقى تعليمه في القاهرة و دمشق   وهو صاحب صحيفة "الشهاب" التي لم تعمر طويلاً بسبب خطها الوطني. في 17يونيو-  حزيران 1970م نظمت اسبانيا حفلاً دعت له وسائل الاعلام المحلية و الدولية ليشهدوا ألتفاف الصحراويين حول اسبانيا ورغبتهم في الاندماج معها ولكن النتيجة كانت عكسية حين نظم انصار الحزب المسلم تظاهرة مضادة التف حولها الشعب وبقيت الادارة الاستعمارية اضحوكة أمام وسائل الاعلام التي جلبتها وكان الرد الاستعماري قاسياً إذ اطلقت قوات جيش الاحتلال النار على المتظاهرين فقتلت العديدين و ملئت السجون بالرافضين وكان من ضحايا تلك المجزرة الاليمة رئيس الحزب المسلم الذي لم يعرف مصيره حتى الان. كان الدرس قاسياً و التجربة أليمة و لكن الخلاصة واضحة بينة مفادها ان الاستعمار الاسباني لن يزول بالتظاهر و الكفاح السلمي فتكونت جبهة التحرير الصحراوية  "جبهة البوليساريو" التي جعلت شعارها "بالبندقية ننال الحرية" وهي الجبهة التي ضمت جميع الفعاليات الصحراوية من عمال و طلاب و تجار بأختلاف أتجاهاتهم في جبهة وطنية تسعى إلى تحرير الصحراء الغربية وإقامة دولتها المستقلة. وفي يوم 20 ماي سنة 1970م لعلعت أول رصاصة في حرب التحرير الوطني في بلدة الخنكة الصحراوية  ضد مركز استعماري اسباني وتلى ذلك سلسلة من العمليات العسكرية النوعية أضطرت اسبانيا الى الى اللجؤ الى العديد من المناورات كاقتراح الحكم الذاتي والسعي لانشاء حركات موازية للجبهة بل التأمر مع الجيران من أجل ضمان مصالحها في الصحراء الغربية. ولم تمض ثلاث سنوات حتى كانت القوات الاسبانية قد فقدت السيطرة على معظم التراب الصحراوي تحت الضربات المؤلمة للجيش الشعبي الصحراوي الجناح المسلح لجبهة البوليساريو وفي وقت كان الشعب الصحراوي يستعد لجني ثمرة كفاحه البطل فؤجئ كما فؤجئ العالم بالاعلان عن أتفاقية مدريد الخيانية التي سلمت بها اسبانيا الصحراء الغربية لتقسم أرضاً وشعباً  بين المغرب وموريتانيا الجاربن العربيين المسلميين للشعب الصحراوي مقابل صمت النظام المغربي عن أراضيه المحتلة منذ القرن الرابع عشر في سبتة ومليلة و الجزر الجعفرية وحصول أسبانيا على 35%  من فوسفات الصحراء الغربية الذي لازالت تحصل عليه حتى الان مجاناً.

وفي 6 نوفمبر تشرين الثاني 1975م أعلن ملك المغرب عما اسماه  بالمسيرة الخضراء كغطاء مدني للاحتلال العسكري الذي كان قد بدأ في  31أكتوبر- تشرين الاول  من نفس العام وفي كلمته التي ودع بها المشاركين في المسيرة السوداء حثهم قائلاً" إن قابلك الجندي الاسباني فقاسمه ماءك وطعامك وإن قابلك الاخرون فأعلم ان جيشك معك"!!! كانت الطعنة عميقة والجرح غائر فقد وقف الجيران يتفرجون على شعب صغير يقاتل دولة كبرى مثل اسبانيا وما أن أشرف على الظفر بحريته حتى نشبوا فيه مخالب الغدر و أنياب الخسة و النذالة لكن جبهة  البوليساريو التي صمدت في وجه المستعمر الاسباني وارغمت على الخروج صاغراً ذليلا واجهت التحدي بصبر والغدر بكبرياء فأعلنت الحرب على المستعمرين الجدد أذيال الاستعمار ودركييه في المنطقة وبدأت في مواجهة الغزو المغربي الزاحف من الشمال و الاحتلال الموريتاني القادم من الجنوب دون التخلي عن مسؤولياتها في اسعاف الالاف من المدنيين الذين هربوا من ديارهم أثر القصف الهمجي المغربي بقنابل النابالم و الفسفور المحرمة دولياً للمراكز المدنية  الصحراوية في بلدة أم دريكة و تفاريتي وقلتة زمور التي راح ضحيتها المئات من المدنيين العزل والتي وثقتها مجموعات الصليب الاحمر الدولي العاملة في تلك المراكز.لقد ظن المحتلون أن القضاء على مقاومة الشعب الصحراوي مسألة سهلة بل زعم الحسن الثاني في تلك الايام " ان الامر لايتعدى جولة أمنية لجنوده وانه سيشرب الشاي الاخضر في العيون خلال أسابيع" فقد تحولت تلك الجولة الامنية إلى حرب طويلة  هلك هو و الالاف من جنوده الغزاة ولم تنته. صاحبت الحملة العسكرية  المغربية -  الموريتانية التي جاء بدعم فرنسي - أمريكي بعد تصريح اليهودي كيسنجر "إن أمريكا لن تسمح بقيام دولة في الصحراء الغربية" حملة دبلوماسية سعت الى التشويش على حقيقة كفاح الشعب الصحراوي  و تبرير الغزو و الاحتلال على الرغم من وضوح القانون الدولي وإعلان الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الذي نص في الفقرة 163  منه على أن " المحكمة لم يثبت  لها من خلال الوثائق التي قدمها المغرب وموريتانيا وجود أي علاقات سيادة بين الصحراء الغربية من جهة و المغرب و موريتانيا من جهة أخرى وأن المحكمة لا ترى ما من شأنه التأثير على قرارات الامم المتحدة السابقة و القاضية بتمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير مصيره وأختيار مستقبله بحرية"

وللأسف الشديد وقعت بعض الدول العربية في  شراك دعاوي الوحدة و القومية و الامة الواحدة وهي كلمات حق أراد بها الغزاة باطلاً. فأين كانوا من الصحراء التي رزحت تحت الاحتلال الاسباني حوالي مئة سنة وقد حصل المغرب على استقلاله سنة 1956 واستقلت موريتانيا سنة 1960م؟؟؟؟ لقد أراد النظام الملكي المغربي إلهاء جيشه وشغل مواطنيه عن اوضاعهم الداخلية  المزرية خاصة بعد محاولات الانقلاب على الملكية سنوات 1971 و 1972 م في حين حاول النظام الموريتاني الذي كانت تديره الفرنسية ماري تريز زوجة ولد داداه التخلص من مطالب المغرب بضم موريتانيا من خلال مشاركته في جريمة العدوان على الشعب الصحراوي وتقسيمه كما يقسم قطيع الغنم.  رغم ضخامة وسائل الاعداء وركوبهم موجة الحرب الباردة  بمباركة فرنسية- اسرائيلية- امريكية فإن حيلهم لم تنطل إلا على من أراد التستر على الجريمة بتجاهلها وهذا حال معظم الدول العربية او المشاركة الفعلية فيها بدعم المحتلين مالياً وإعلامياً وفي مقابل ذلك وقفت القوى الحية في الامة ضد المؤامرة الجبانة  وسعت إلى تعريتها وفضحها وكان موقف الجزائر بلد المليون ونصف المليون شهيد بالاضافة إلى ليبيا و سوريا و اليمن موقف يليق بأمة يقول نبيها أن  "الساكت عن الحق شيطان أخرس".

 قاد الولي مصطفى مؤسس جبهة البوليساريو بنفسه حرب التحرير وقدم حياته ثمناً لحرية و استقلال شعبه حين هاجم موريتانيا في عقر دارها ودخل عاصمتها  مما أدى إلى دفع موريتانيا إلى الخروج من الحرب أثرانقلاب صيف 1978م  و توقيع أتفاقية السلام بين الصحراء الغربية و موريتانيا. أما على الجبهة الشمالية فقد فرض الصحراويين واقع الهزيمة على المحتلين وتمكنوا من نقل الحرب إلى داخل بلاد العدو فنفذت معارك طاطا و آغا وأم الحسن و الطنطان و البويرات و الواركزيز في عمق التراب المغربي وسيطرت جبهة البوليساريو على معظم الاراضي الصحراوية ومع قدوم إدارة الرئيس ريغان للحكم في الولايات المتحدة وعلى ضؤ جهود النظام المغربي في تمرير المشاريع الاستسلامية في قضية الشرق الاوسط ونشاطه  التثبيطي لروح المقاومة العربية فقد وقع اتفاق للتعاون العسكري بين المغرب و الولايات المتحدة  سنة 1982م يقضي بمنح قوات الانتشار السريع الامريكية ست قواعد في المغرب مع إمداد الجيش المغربي بالعتاد و الخبراء وهو ما ظهر لاحقاً في إقامة مايعرف بالجدران الدفاعية التي تمتد على طول الاراضي الصحراوي مقسمة أياها إلى قسم غربي محتل من طرف الغزاة المغاربة وقسم شرقي تحت سيادة الجمهورية الصحراوية وهكذا استمرت الحرب حتى سنة 1991م حينما تقدمت الامم المتحدة بمشروع تنظيم استفتاء لتقرير المصير في الصحراء الغربية. وتقف قوات حظ السلام الاممية على الشريط الفاصل بين القوات الصحراوية و قوات الاحتلال المغربي في انتظار الحل النهائي للقضية الذي تأجل أكثر من مرة بسبب سعى المحتلين إلى إدخال قطعان المستوطنين المغاربة  الذين جلبهم الغزاة إلى الصحراء الغربية ضمن المصوتين في أستفتاء تقرير المصير في الصحراء الغربية.

الآن يسعى النظام المغربي إلى الالتفاف حول الالتزامات التي سبق ان قطعها أمام المجتمع الدولي و التهرب من اجراء استفتاء حر و نزيه بإقتراح منح الصحراء الغربية حكماً ذاتياً داخل المغرب وهو الاقتراح البالي الذي سبق ان قدمته الادارة الاستعمارية الاسبانية  في سبعينيات القرن الماضي.

إن الشعب الصحراوي التواق للحرية و المسترخص دماء أبناءه البررة من أجل كرامته و عزته لن يقبل أن يصبح جزء من ذلك المتحف المسمى مغرب العلويين الذين يستلذون بتعبيد الناس لهم و تمريغ  وجوه المسلمين في طقوس الركوع و السجود لغير الله في حالة أقرب ما تكون للوثنية أو العبودية التي لم يعد لها من وجود سوى في المتاحف او في قصور حكام المغرب" أمراء المؤمنين" ولسان حالهم قول الشاعر:

مما زهدني في أرض أندلس                           أسماء معتصم  بها  ومعتضد

أسماء مملكة في غير موضعها                      كالقط يحكي أنتفاخاً صولة الاسد

 ملاحظة:  سبق نشر هذا الموجز التاريخي عبر منتديات الجزيرة

 

 

 

عودة إلى الصفحة الرئيسية

 

 

1