: الثروة السمكية في الصحراء الغربية

الأهمية الاقتصادية ومشاكل الاستغلال

في الظرف الراهن تعتبر مشكلة التوفير الغذائي من أكبر وأصعب مشاكل التنمية العالمية في البلدان النامية وخصوصا في إفريقيا.

في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي عدد من الدول العربية والإفريقية وضعت خططا لمعالجة مشكلة التوفير الغذائي، كما أولت عناية خاصة لاستغلال الموارد السمكية التي تشكل احتياطا هاما لسد حاجيات السكان من المواد الغذائية بالإضافة إلى خلق قاعدة أساسية للإنتاج الصناعي للسمك ومشتقاته، ومن طبيعة الحال تحظى بهذه الميزة تلك الدول التي لها مساحات تغطيها المياه الثرية بالأسماك. هذه الدول بإمكانها بواسطة الاستغلال الجيد لهذه الثروة تعويض النقص الحاصل في مجال الإنتاج الفلاحي الذي يعاني نقصا بسبب سوء الظروف الطبيعية والمناخية.

كما هو معلوم تقع الصحراء الغربية في شمال غرب إفريقيا و تعتبر شواطئها البالغ طولها 1500كم من أغنى السواحل في المخيط الأطلسي بالثروة السمكية ، هذه الثروة التي شكلت إحدى ركائز التوسع والأطماع الاستعمارية، حيث تحوى هذه الشواطئ على أهم وأغنى حوض سمكي في إفريقيا (تبلغ مساحته 150 ألف كلم مربع) وتشكل موارده السمكية أكثر من11 % من الاحتياط العالمي، إذ يمكن صيد10 طن من الأسماك في الكيلومتر المربع الواحد. تضم هذه المياه أكثر من 200 صنف من الأسماك المختلفة و71 صنف من الرخويات و 14 نوع من رأسيات الأرجل إلى غير ذلك من جراد البحر والجمبري والقشريات.

ومع هذا فإن الثروة السمكية الصحراوية التي كان من اللازم أن يتمتع بها شعبها فإنها تعرضت وقتا طويلا وما زالت تتعرض لنهب شديد في غياب رأي المالك الحقيقي للموارد السمكية في الصحراء الغربية آلا وهو الشعب الصحراوي .

خلال الحقبة الاستعمارية لم يقتصر نهب الثروة السمكية الصحراوية على إسبانيا المحتلة وحدها، بل سمحت القوة الاستعمارية آنذاك لعدة أساطيل بحرية أجنبية أخرى بالصيد في المياه الصحراوية مما كثف من التجاوزات في استغلال هذه الثروة، وحسب المعلومات المستقاة من هذه الأساطيل فإن الكميات المصطادة في سنة 1969م وحدها تجاوزت 1,3 مليون طن من السمك موزعة بين الدول التالية (في ألف طن):

إسبانيا –450، اليابان –300، الاتحاد السوفيتي –200، جنوب إفريقيا –100، كوريا الجنوبية –50، إيطاليا –45، البرتغال –22، بولونيا –19، برمودا –10، كوبا –8، مصر – 2,5، هولندا ودول أخرى – 75.

والجدير بالذكر أن هذه الدول لم تقدم للصحراء مساعدة تستحق الذكر في تطوير الأسطول البحري وصناعة الأسماك مع العلم أن بواخر الأساطيل الموجودة في المياه الإقليمية الصحراوية تفوق بالآلاف عدد القوارب المحلية، هذه الأساطيل ترسل ما اصطادته من أسماك إلى جهات أخرى لتصنيعها وتغطية النقص الحاصل في هذه الموارد في أسواق هذه الدول.

أما بخصوص الجانب المالي لاستغلال الثروة السمكية في الصحراء الغربية فإن إسبانيا منذ سنة 1966م انتهجت سياسة كتم هذا الدخل، الذي حصلت عليه من أساطيل الصيد الأجنبية.

إسبانيا هي الأخرى بدورها أرسلت أسطولا لصيد الراسيات والرخويات، حيث تم تسجيل سنة1963 م – 43422,5 طن مقابل 182473,3 طن سنة 1972م، أي ما يعادل ارتفاعا يقدر ب 4,2 مرة.

إذا كان هذا هو جزء من الحقيقة الاستعمارية حول استغلال الاستعمار الأسباني للثروة السمكية الصحراوية، فماذا يمكن كتابته عن مرحلة الغزو و الاحتلال المغربي للصحراء الغربية حول هذا الموضوع؟

إن محاولة إعطاء أرقام دقيقة لاستغلال الموارد الطبيعية في الصحراء الغربية طوال الحقبة الاستعمارية كان صعبا للغاية وقد زاد تعقيدا مع احتلال جزء هام من الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية من قبل النظام المتسلط في المغرب.

أما الأرقام التي سيتم عرضها ضمن هذا المقال فهي نسبة قليلة مما يمكن قوله، لكنها جديرة بالإشارة، حيث تحولت الثروة السمكية في الصحراء الغربية إلى ركيزة مهمة في الاقتصاد المغربي والدليل على ذلك وجود90 % من أسطول الصيد الملكي قي منطقة وادي الذهب وحدها (الجزء الجنوبي من الصحراء الغربية). وكذلك بهذه المنطقة بالذات في الفترة الممتدة ما بين1992 و 1993م أكثر من 50 % من السمك المصطاد بالطريقة التقليدية تم تصديره للخارج، أما الآن فقد ارتفعت هذه النسبة إلى ما يقارب ال 100 % . مثلا، في عام 1995م اليابان وحدها اشترت97,5 % مما تم اصطياده من الراسيات وأما البقية الأخرى فقد وزعت ما بين إسبانيا وإيطاليا. الدخل الصافي من راسيات الأرجل وحدها في سنتي 1994 و 1995م قدر ب 16 و 22 مليون دولار أمريكي، أي ما يعادل ارتفاعا سنويا بنسبة 37,5 %.

انطلاقا من هذا يمكن القول أن الثروة السمكية الصحراوية أصبحت تشكل مصدرا أساسيا في الاقتصاد المغربي من حيث الدخل المالي من العملات الصعبة، التي تتحصل عليها الحكومة المغربية بواسطة تسويق هذه الموارد السمكية الهامة والنادرة بعدما طوقتها بحزام الذل والعار، الذي أقامته حول الثروات الصحراوية الهامة، مثل الفوسفات، الحديد، السمك، النفط، الغاز … إلخ.

هذا الطوق الذي أقامه المغرب على جزء هام من الجمهورية الصحراوية ساعد في الاستغلال المفرط للثروة السمكية وسبب في تهديد المنطقة بكارثة طبيعية قد تؤدي إلى انقراض أصناف أساسية من السمك أغلبيتها توجد في المياه الإقليمية الصحراوية، وخصوصا بعد وقف إطلاق النار الذي تشرف عليه الأمم المتحدة منذ سبتمبر 1991م، إذ يمكن القول أن شدة استغلال الثروة السمكية في الصحراء الغربية تتعمق يوما بعد يوم. فعلى سبيل المثال إذا ما أجريت مقارنة سريعة للصيد التقليدي لما اصطادته إسبانيا في سنة 1975 م في المياه الإقليمية الصحراوية وما يتوقع اصطياده حسب خطة وزارة الصيد المغربية لسنة 2002م في منطقة وادي الذهب وحدها فإن هذا الارتفاع يفوق 13 مرة. أما بالنسبة للصيد الحديث فإن خطط الغزاة المغاربة تفوق كل التوقعات لاستغلال هذه الثروة السمكية، حيث يشاهد ارتفاع سريع منذ سنة 2000م في نسبة الكميات المصطادة: في نهاية 2002م الارتفاع سيشكل أكثر من 166 % وفي سنة 2004م هذه النسبة تقدر بأكثر من 222 %، وهذا ما سيدعم خزينة المغرب ب 1,7- 2,3 مليار دولار أمريكي.

من خلال هذا العرض الوجيز حول الثروة السمكية الصحراوية يمكن القول أن التكالب الاستعماري القديم والحديث في الصحراء الغربية حاول وما زال يحاول نهب ما أمكن من هذه الثروة، التي أصبحت مصدرا لتغطية العجز الحاصل في الموارد السمكية للدول الغربية ومصدرا ممولا لجيش الاحتلال المغربي ضد شعب الجمهورية الصحراوية.

وبغض النظر عن شكل الاستعمار الموجود في الصحراء الغربية فإن الأسلوب المستعمل في استغلال و نهب الثروات الصحراوية بصفة عامة والثروة السمكية بصفة خاصة يوحي بأن الاستعمار السياسي والاستعمار الجديد جزأن لا ينفصلان عن الاستعمار الاقتصادي الذي بموجبه تستغل خيرات البلدان النامية من قبل قوى أجنبية تكون فيها الضحية الأولى والأخيرة شعوب هذه البلدان التي تعاني من وطأة التخلف العلمي والتقني والتدخل الأجنبي وضعف البنية التحتية لاقتصاديات هذه الدول.


المراجع و الهوامش:

  1. Amimour-Benderra M.: Le peuble saharaoui et l’autodetermination . Alger, 1988, p. 18.

  2. Gaudio Attalio: Le dossier du Sahara occidental. Paris, 1978, p. 340.

  3. Morillas Javier: Desarrollo y subdesarrollo en el Sáhara Occidental. Madrid, 1988, p. 299.á

  4. Thiriet Marie: L’integration de l’ex-Sahara espagnol au Maroc. Nancy, 1997, p. 26.

 

د. أعلي سالم محمد فاضل    

 

عودة إلى الصفحة الرئيسية