بسم الله الرحمن الرحيم

SOS

 الثروة السمكية الصحراوية في خطر!

 

د. أعلي سالم محمد فاضل

 

إن قدرات الثروة الطبيعية في الصحراء الغربية، ولا سيما البحرية منها، تكتسي أهمية كبيرة للعب دور هام في تنمية الاقتصاد الوطني. لكنها، وللأسف الشديد، لم توظف حتى الساعة في تنمية وتطوير بلدها الأصلي  الصحراء الغربية، بل شكلت روافد لاقتصاديات القوى الأجنبية (الاستعمارية والمحتلة) التي فرضت قبضتها على الإقليم. ومع هذا فإن الثروة السمكية الصحراوية التي كان من المفترض أن يتمتع بها شعبها فإنها قد تعرضت وما زالت تتعرض لنهب شديد في غياب إرادة المالك الحقيقي (أي الشعب الصحراوي).

من المعروف أن الصحراء الغربية تتمتع بواحد من أغنى السواحل بالثروة السمكية، إذ أنها تتربع على أهم وأغنى حوض سمكي في إفريقيا، الذي تقدر مساحته بـ 150 ألف كيلومتر مربع وتؤهله الظروف المناخية والبيئية لبلوغ قدرة إنتاج سنوية تفوق10  طن في الكيلومتر المربع الواحد وإمكانية صيد لا تقل عن 2 مليون طن في السنة. تضم هذه المياه أكثر من 200 نوع من الأسماك المختلفة و71 صنف من الرخويات و 14 نوع من رأسيات الأرجل، بالإضافة إلى الجراد والجمبري والقشريات البحرية [2، 3، 4، 6، 11]، فضلا عن أصناف مختلفة من أنواع نادرة من الأسماك وهو ما يجعل هذه المياه مصدر دخل هام  في تنمية هذا القطاع وتمويل مشاريع تساهم في تطوير الاقتصاد الوطني[1].

بالإضافة إلى هذا كان الاستغلال الواسع لهذه الموارد البحرية من قبل قوى أجنبية منذ زمن بعيد دليل قاطع على أهميتها ومكانتها من حيث توفير مصادرة مالية سخية لهذه الجهات التي تجاوزت أطماعها التوسعية القانون الدولي وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها. والمشكل الكبير هو أن هذه القوى المحتلة (الاستعمارية والغازية) لم تكتف باستغلالها للثروة السمكية من جانب واحد، بل سمحت لنفسها بإعطاء تصاريح لأساطيل بحرية أجنبية أخرى للصيد في المياه الإقليمية الصحراوية، مما كثف من التجاوزات في استغلال هذه الثروة.

وبغض النظر عن حجم استغلال الموارد البحرية الصحراوية فإن هذه الدول المحتلة لم تقدم للسكان الصحراويين المتواجدين في الجزء المحتل من الصحراء الغربية مساعدة لا من حيث الرفع من المستوى المعيشي لهم ولا في تطوير قدراتهم المهنية، محولة الثروة البحرية الصحراوية إلى موارد تغطي النقص الحاصل في أسواقها الداخلية، كما أنها أصبحت مصدرا لسد الحاجة من الموارد السمكية للدول الغربية والأدهى والأمر من هذا كله هو تحويل هذه الثروة إلى مصدر ممول لجيش الاحتلال المغربي في حربه ضد الشعب الصحراوي.

إن الاستغلال الجائر للثروة السمكية الصحراوية يهدد المنطقة بانقراض نوعيات قيمة من هذه الموارد البحرية في مقدمتها رأسيات الأرجل، مما سيؤدي إلى كارثة بيئية ستضرب المنطقة رغم قرارات كل المؤتمرات الدولية التي انعقدت تحت إشراف المنظمة العالمية للتغذية والزراعة، القائلة بضرورة حماية مخزون الموارد البحرية  لضمان التنمية المستدامة والمحافظة على النظام البيئي لاستمرار منتوجها سواء من الأسماك السطحية وأسماك المياه العميقة أو الأسماك المهاجرة.

تحتل الأسماك في الصحراء الغربية مركز صدارة من حيث الكمية المصطادة ومن حيث اليد العاملة التي تشتغل بها، لكن نتيجة الصيد المكثف والعشوائي والاستنزاف المستمر وعدم احترام فترات التكاثر الطبيعي (الراحة البيولوجية) تقلص المخزون السمكي خصوصا رأسيات الأرجل (الأخطبوط  والحبار) في منطقة وادي الذهب. هذا الاستغلال المفرط للثروة السمكية سيقود المنطقة إلى كارثة بيئية قد تؤدي إلى انقراض أصناف أساسية من الأسماك أغلبيتها لا تتواجد إلا في المياه الإقليمية الصحراوية. كما أن السياسة المنتهجة من قبل المغرب منذ احتلاله في العام 1975 لجزء من الصحراء الغربية أدت إلى خفض الكميات المصطادة من رأسيات الأرجل، التي وصلت إلى نتائج جد مرعبة في الآونة الخيرة. فعلى سيبل المثال لا الحصر في سنة 2003م انخفض صيد رأسيات الأرجل إلى 50 % بمنطقة الداخلة [7]، التي  تعتبر أكثر المنطقة ملاءمة لتكاثر الأخطبوط، كما سُجل اختفاء عام للأنواع الصغيرة وانقراض شبه كلي للرخويات ورأسيات الأرجل في بوجدور والعيون. وهذا النقص سينعكس مباشرة على خزينة أصبحت تعتمد بشكل شبه كلي على عائدات الأسماك الصحراوية، مما فرض على المغرب اللجوء إلى صيد الأعماق وصيد الأسماك المهاجرة لتعويض العجز وهو ما سيترتب عنه إنهاك أكبر للمخزون الطبيعي، لتكرر من جديد القوى المحتلة للصحراء الغربية نفس الأخطاء، المتمثلة في عدم مراقبة الأساطيل لإجبارها على احترام "الحصص المقررة" وتجنب  الأصناف التي كان من المفروض أن تترك للمحافظة على تجدد المخزون السمكي. ولعل أكبر دليل على تجليات هذه الأزمة ما نشره المعهد الوطني المغربي لبحث الموارد السمكية في 2003م، حيث أشار إلى انخفاض في الإنتاج البحري [8، 14]: الأخطبوط - 50 %، الحبار – 78 %. الانخفاض العام للصيد بالشبكة الكبيرة  (صيد الأعماق) وصل إلى 66 %، وصناعة التبريد سجلت انخفاضا يقدر ب 53 % بسبب تدهور حالة رأسيات الأرجل.

جذور الأزمة متعددة وقديمة ويمكن تلخيصها فيما يلي:

* الاستغلال الجائر للثروة السمكية من قبل الأساطيل الأوروبية التي سمح لها المغرب القيام بالصيد حتى نوفمبر 1999 (نهاية اتفاقية الصيد بين المغرب والسوق الأوروبية).

 * انتشار الصيادين "السريين" المغاربة (غير المرخصين) في المياه الإقليمية الصحراوية (تفوق نسبتهم 50 % بالمقارنة مع ما هو مسجل رسميا)[7]، الذين ينهبون النوعيات المفضلة من الرخويات ورأسيات الأرجل لتصديرها لليابانيين والأوروبيين (خصوصا إسبانيا وإيطاليا)[2].

* تواجد أكثر من 90 % من الأسطول المغربي في المياه الإقليمية الصحراوية[3]، مع العلم أن 50 % من أسطول الأعماق المغربي يكون شراكة مع مستثمرين أجانب (شركات مختلطة) في محاولة للخروج من الركود الطويل للاقتصاد المغربي، الذي يعد فيه الصيد البحري ركيزة أساسية بتمثيله لـ 58 % من الصادرات الغذائية المغربية[4].

إن الأسلوب الممنهج  الذي يرمي إلى استغلال الثروة البحرية الصحراوية يظهر أن المغرب في تسابق مع الوقت لحصد ما يمكن حصده قبل خروجه من الصحراء الغربية. ولعل أكبر دليل على هذا، ارتفاع وتيرة استغلال الثروة السمكية الصحراوية، التي تجاوزت أضعاف ما كانت تقوم به إسبانيا، حيث سُجل ارتفاع مضطرد لم يسبق له مثيل في تاريخ الصيد في المياه الصحراوية. فعلى سبيل المثال في ميدان الصيد التقليدي أصطاد المغرب في سنة 2002م في منطقة وادي الذهب وحدها ثلاثة عشر ضعفا على ما اصطادته إسبانيا إجمالا في سنة 1975م في المياه الإقليمية الصحراوية [1 ص. 31، 12]. أما فيما يخص الصيد الحديث فإن خطط الغزاة المغاربة تفوق كل التوقعات لاستغلال هذه الثروة السمكية، حيث يلاحظ ارتفاع سريع منذ سنة 2000م في نسبة الكميات المصطادة: في سنة 2000 تم اصطياد 900 ألف طن وفي 2002م شكل الارتفاع حوالي 66 %، أما النسبة المتوقعة لعام  2004م فتقدر ب122  %، وهذا ما سيدعم الخزينة المغربية ب  1,7- 2,3 مليار دولار أمريكي سنويا (هذا الرقم مرشح للارتفاع(­­ [4، 10-12]. وإذا ما استمر المغرب على هذه الوتيرة من الاستغلال للثروة السمكية الصحراوية فإن صيد أعالي البحار سيناله ما نال رأسيات الأرجل والرخويات في منطقة وادي الذهب .

في الظرف الحالي وبالرغم من التقلص الموجود في الكميات المصطادة من الموارد السمكية فإن المغرب ما زال يراهن على قدرات الثروة السمكية الصحراوية لأنها ميدان استراتيجي هام يزود خزينته بالعملة الصعبة (وخصوصا الأخطبوط الذي يبلغ سعر الطن الواحد منه 10 آلاف دولار) [13]، كما يراهن أيضا على إعطاء المزيد من التراخيص لجلب المستثمرين الأجانب وفي مقدمتهم شركات إسبانية وروسية [9]، بالإضافة إلى منح تراخيص للضباط الساميين المغاربة وذي الاستحقاق على النظام. كما تقوم وزارة الداخلية بالترويج لما يمكن أن توفره الثروة السمكية الصحراوية للعاطلين عن العمل بالمغرب لاستدراج المزيد من المستوطنين إلى الصحراء الغربية [9].  وبهذا يكون المغرب قد حول الثروة السمكية الصحراوية إلى هدف للحفاظ على مصالحة السياسية.

من خلال هذا العرض الوجيز للثروة السمكية الصحراوية يمكن القول أن التكالب الاستعماري القديم والحديث على الصحراء الغربية حاول وما زال يحاول نهب ما أمكن نهبه من هذه الثروة، التي أصبحت مصدرا لتغطية النقص الحاصل في الموارد السمكية للدول الغربية ومصدرا ممولا لجيش الاحتلال المغربي في حربه ضد شعب الجمهورية الصحراوية رغم القرارات الدولية والفتاوى القانونية للأمم المتحدة، القاضية بعدم شرعية استغلال الثروات الصحراوية من قبل المغرب وبعدم شرعية الاتفاقات التي أبرمها منذ احتلاله للإقليم الصحراوي في العام 1975.   

إذا كان هذا جزء بسيط فقط من الحقيقة حول استغلال الثروة السمكية الصحراوية، فماذا يمكن قوله عن بقية الموارد الطبيعية الأخرى مثل الفوسفات والحديد والنفط والغاز … وإلخ. التي ضرب عليها المغرب جدارا من الصمت، مستغلا فرص ضعف المنظمة الدولية المتمثل في عدم قدرتها على فرض قراراتها، مع العلم أن اتفاقية مدريد الثلاثية[5] لم تعط المغرب الصفة الشرعية لإدارة شؤون الصحراء الغربية.

وانطلاقا من هذا يمكن القول أن العثور على حقائق ومعطيات حول ما توفره الثروة الصحراوية لقوى الاحتلال كان وما زال صعبا للغاية، ولربما يتساءل القارئ عن مصادر الأرقام الواردة في هذا المقال، لكنه سيفاجأ حقا عندما يعرف أن معظم ما نشر هنا هي إحصائيات مأخوذة من مصادر غربية (إسبانية، فرنسية وغيرها) ووسائل إعلام مغربية [7-9، 13-14] بما في ذلك القناة الأولى المغربية[6]. وفي تصورنا هذه المحاولة ما هي إلا قليل من كثير يملك القارئ الحق في معرفته ولكن طبيعة المحتل تفرض عليه ضرب طوق من التكتم على قدرات الموارد الطبيعية الصحراوية والتقليل من أهمية مردوديتها.

وبغض النظر عما قيل أو كتب فإن الاستنتاج المستخلص يقول أن الاستغلال المفرط للثروة السمكية الصحراوية المحتكرة من قبل المغرب والمستنزفة بترخيص منه من قبل أساطيل الدول المتقدمة ستكون سببا في إحداث كارثة بيئية واقتصادية بحكم انقراض بعض النوعيات (رأسيات الأرجل والرخويات)، التي تعتبر العنصر الأساسي في النظام الغذائي للكثير من الأسماك. وبما أن النظام البيئي هو ملك ليس فقط للشعب الصحراوي بل للبشرية والإخلال بأية حلقة من حلقاته قد يؤدي إلى خلل في المنظومة كلها، وهذا ما يدفعنا إلى رفع أصواتنا والتوجه إلى كل ذي ضمير حي أن يقول معنا "ارفعوا أيديكم أيها الطامعون عن ثروات الشعب الصحراوي وأعطوا للطبيعة وقتا كافيا لتجديد دورتها البيولوجية وإغناء مخزونها الطبيعي".

المراجع:

 1.- Alfimov Evgueni: El Sáhara Occidental: Las características georgáfico-económicas. Moscú, «Universidad de la amistad de los pueblos», 1979, p. 31 (باللغة الروسية).

2.- Amimour-Benderra M.: Le peuble saharaoui et l’autodetermination . Alger, ed. ENAP, 1988, p. 22

3.- Assidon Elsa: Sahara occidental, un jeu pour le Nord-Ouest africain. Paris, F. MASPERO, 1978, p. 36

4.- Barbier Maurice: Le conflit du Sahara occidental. Paris, Ed. L’Harmattan, 1983, p. 23

5.- Colloque des juristes sur le Sahara Occidental. L’Harmattan. Paris. 2001, p. 170.

6. Gaudio Attilio: Le dossier du Sahara occidetal. Paris, Nouvelles Editions Latines, 1978, p. 340

7.- La Gazette du Maroc ¹ 353 du 02.02.2004.

8.- Le Matin du 11.04.2004.

9- Tel Quel du 18.02.2004.

10.- http://www.arso.org /semana11/2002.htm.

11.- http://www.albawaba.com/contries/index.ie.php3?/contry=morocco&lang=a (Ed. Électronique du 4/06/2002).

12.- http://www.leconomiste.com : Edition électronique de 14/5/2002 (Quotidien marocain d’information).

13.- http://www.leconomiste.com du 18.02.2004.

14.- http://www.leconomiste.com du 12.03.2004

 

 


 

[1] انطلاقا من المرجع [11] يمكن القول أن المناطق الساحلية للصحراء الغربية تحتوي على  ما يقارب   11 % من الاحتياط العالمي للثروة السمكية.

 [2] تشتري اليابان نسبة كبيرة من رأسيات الرجل (في حدود 90 %)، أما البقية عادة ما تتوزع بين إسبانيا وإيطاليا.

[3] حسب ريبورتاج القناة الأولى المغربية حول تدشين ميناء مدينة الداخلة ليوم 2001/08/14م الأسطول المغربي للصيد المتواجد بمنطقة الداخلة كان يقضي 5 أيام لتفريغ حمولته في ميناء أغادير واليوم وبعد تدشين ميناء جديد في الداخلة أصبح الأسطول المغربي يفرغ شحناته في ظرف لا يتعدى 6 ساعات وهذا ما رفع استغلال الثروة السمكية الصحراوية من قيل الاحتلال المغربي إلى أكثر من 20 مرة.  

[4] ريبورتاج القناة الأولى المغربية/ نوفمبر 2003م

[5] هي اتفاقية أبرمت في مدريد 14 نوفمبر 1975م بين إسبانيا (القوى الاستعمارية  آنذاك) والمغرب وموريتانيا (القوى الغازية) في غياب الشعب الصحراوي، التي بموجبها قسمت الصحراء الغربية إلى جزئتن: أعطيت الساقية الحمراء للمغرب، أما وادي الذهب فكان من نصيب موريتانيا، مع احتفاظ إسبانيا لنفسها بـ 35 % من عائدات منجم بوكراع لفوسفات وحرية الصيد والملاحة في المياه الإقليمية الصحراوية لمدة 20 سنة. هذه الاتفاقية تعتبر قفزة فوق المشروعية الدولية القائلة بتقرير مصير الشعوب حسب القرار 1415.    

[6] ريبورتاج القناة الأولى المغربية/ نوفمبر 2003م

 

مواضيع ذات صلة:

الثروة السمكية في الصحراء الغربية الأهمية الاقتصادية ومشكلة استغلالها

عودة إلى الصفحة الرئيسية