مفترق طرق الشرعية الدولية في العلاقات مع المغرب

 

آنا كاماتشو

ترجمة: مصطفى محمد الأمين

تعاون رقم: 88 ـ 03 حزيران/ يونيو 2004

مفترق طرق الشرعية الدولية في العلاقات مع المغرب.

التحدي الأكبر لإيمان رودريغيث ثاباتيرو بالشرعية الدولية.

تبدي العلاقات الإسبانية المغربية مظهرا متميزا سيضع التزام حكومة رودريغيث ثاباتيرو بقضية الشرعية الدولية أمام الامتحان، حيث قامت الحكومة الاشتراكية على جوهرية حسن العلاقات مع الجار الجنوبي خلافا لما عرفته هذه العلاقات الثنائية من توتر وخاصة ما تميزت به العهدة الأخيرة من حكم الحزب الشعبي.

 لكن العلاقات الخارجية المغربية تتمحور حول رفض الامتثال لقرارات الأمم المتحدة التي تضمن للشعب الصحراوي حق ممارسة تقرير المصير من خلال الاستفتاء، والمنهج المغربي إذ يربط صداقته بأي دولة أخرى بدعم هذه الأخيرة اللامشروط لاحتلاله غير الشرعي للصحراء حوّل فرنسا إلى الساهر الرئيسي على ذلك "الحل السياسي" الهادف إلى إعطاء الشرعية لضم الولاية ـ المحافظة ـ الإسبانية السابقة للمغرب بتجنب أي استشارة شعبية.وقد أظهرت باريس أن بطولتها في الدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة في العراق، تصاب بالوهن عندما توضع مصالح الفرنكوفونية على البساط والمغرب طبعاً هو أحد أهم بيادقها.      

إن اهتمام باريس المنطقي بالاستفادة من عودة الدبلوماسية الإسبانية إلى فلكها وجرها لحل لصالح تكريس المغرب الكبير ـ الإمبراطورية المغربية* ـ سيظهر إلى أي مدى ساهم الابتعاد عن التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية في خلق سياسة إسبانية خارجية وفقاً للمبدأ والتحرر من التبعية الإمبراطورية.

ليست الصحراء هي الموضوع الوحيد الذي يشكل موضوع العلاقات المغربية الإسبانية المعقدة والمليئة بالنزاعات، لكن الأزمة الدبلوماسية الطويلة المدى التي عاشتها حكومة الحزب الشعبي مع الرباط إنما هي انعكاس للمفاوضات حول الصيد البحري، والوقاية من الهجرة غير الشرعية، وتطور العلاقات الاقتصادية، وكذلك التوتر بسبب الخلافات الترابية في سبتة ومليلة، كلها تخضع لشرط الالتزام بما تعتبره الرباط "حياد" إسباني كامل فيما يتعلق بمستعمرتها السابقة. وهذا الحياد في مفهوم الرباط يفرض على إسبانيا التخلي أمام الهيئات الدولية عن ممارسة مسؤولياتها التي يخولها القانون الدولي في الدفاع عن مصالح الشعب الصحراوي حتى يتمكن هذا الأخير من ممارسة الاختيار الحر في استفتاء حر تشرف عليه وتنظمه الأمم المتحدة بين الاستقلال أو الانضمام إلى جاره.

إن تخلي إسبانيا عن لعب الدور الذي لعبته البرتغال في مستعمرتها تيمور الشرقية خلال السنوات التي تلت الاحتلال الإندونيسي غير الشرعي لها، يضر الطرف الصحراوي من الناحية العملية، ولو اتبِع المثل البرتغالي لاستفادت جبهة البوليساريو من الثقل الذي تعطيه الدبلوماسية الدولية دائما للقوة المستعمِرة في شؤون مستعمراتها السابقة لمواجهة الغموض الذي جعل الأمم المتحدة تتجنب إدانة حرب المغرب غير الشرعية وخرقه الممنهج لحقوق الإنسان في الأراضي الصحراوية الواقعة تحت سيطرته. ومن الناحية الاقتصادية، وهذا لوضع مثال آخر، كان الشعب الصحراوي سيحظى بدعم آخر يمكنه من فضح نهب ثرواته الطبيعية أمام المحاكم ورفع الشكاوى على المحتلين الذين يدعون حق تملك ما ليس لهم شرعياً.

هذا التنازل من أجل الصداقة مع المغرب فرض على إسبانيا عدم الوفاء بالامتثال للشرعية الدولية ولكنه لم يحل دون ـ منذ زمن حكومات الوسط الديمقراطي ـ لجوء السلطات المغربية إلى تصعيد المطالبات الترابية أو الاحتكاك في قضايا الصيد البحري بهدف معاقبة نظرائهم الإسبان أمام أبسط حركة تمثل في القاموس المغربي "تقاربا" مع جبهة البوليساريو أو الجزائر.

وكان انقطاع المفاوضات حول الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي في نيسان/ إبريل من سنة 2001 يدخل ضمن منهج الابتزاز الذي يمكن المغرب من تضييق مجال النشاط الإسباني حتى لا يتم اللجوء إلى أنشطة "معادية".

مثال على صعوبة تفادي غضب حكام الرباط الحساسين جداً، كان السبب الرسمي لاندلاع الأزمة الدبلوماسية في شهر كانون الأول/ أكتوبر التي أدت إلى استدعاء السفير المغربي من مدريد، هو الامتعاض الذي أصيبت به الرباط من استفتاء تقرير مصير الشعب الصحراوي الرمزي الذي نظمه برلمان منطقة الأندلس التي يحكمها الحزب الاشتراكي.

لا يعقل أن تحاسب حكومة أمة على عمل هو من مسؤولية الحزب الحاكم في منطقة الأندلس ويتزعم المعارضة على مستوى وطني في ذلك الوقت، لكن ذلك الموقف ربما يستجيب لجهل لعبة الديمقراطية والحكم الذاتي اللذين يفترض أنهما عنصران أساسيان في مشروع الحكم الذاتي الذي تعهد به الطرف المغربي للطرف الصحراوي مقابل تجنب إجراء استفتاء يتضمن خيار الاستقلال.

هذا النوع من ردود الأفعال غير المحسوبة هو نوع من التحذير الموجه إلى إسبانيا مما ينتظرها إذا سلكت طريقاً يشكك في الرأي الرسمي المعروف لدى رأيها العام: لقد انتهت إسبانيا من مسؤولياتها في الصحراء بموجب اتفاق المبادئ (المعروف باتفاقيات مدريد الثلاثية) الذي بموجبه قررت إنهاء وجودها في المنطقة قبل الغزو العسكري الذي بموجبه ـ في 1975 ـ تملّك الملك الحسن الثاني بالقوة "الولايات (المحافظات) الجنوبية".

وقد شارك الحزب الشعبي للسيد خوسي ماريا آثنار مثله مثل الحزب الاشتراكي للسيد فيليبي غونثاليث في تنويم ذاكرة الرأي العام الإسباني فيما يتعلق بالوعود التي تم قطعها من قبل القوى الديمقراطية في حقبة التحول الديمقراطي بتصحيح أخطاء عهد فرانكو وإلغاء اتفاقيات مدريد الثلاثية غير الشرعية والتي لا صحة قانونية لها. ولكن ما لم يتمكنوا من منعه وذلك بسبب الطبيعة غير الشرعية للاتفاق الذي لم يتجاوز يوما حدود الرمزية في الواقع، هو أن الأمم المتحدة ما زالت تعترف بإسبانيا كقوة قائمة على إدارة الصحراء الغربية، وهذا التفصيل البسيط يعود للظهور وللانعطاف كلما قام المغرب ببرم الصمولة (tuerca) من أجل تشريع احتلاله للصحراء.

بالإضافة إلى الاستفتاء الرمزي، تزامن انعدام التفاهم بين المغرب وبين الحزب الشعبي مع استياء الرباط من عدم تأييد إسبانيا لفرض اتفاق الإطار حسب مخطط بيكر الأول ـ الذي يتضمن حكما ذاتيا محدودا للصحراويين ـ في الأمم المتحدة على الطرف الصحراوي.

كان وقوف القوة التي تمتلك الكثير من السلطة في الموضوع إلى جانب المغرب سيسهل محاولة إحلال الاتفاق الإطار محل مخطط التسوية الأصلي الذي يشكل خيار الاستقلال حجر الزاوية فيه حيث بني عليه وقف إطلاق النار سنة 1991 بموافقة جميع الأطراف. كما سيحرر المجموعة الدولية من النزاع الصحراوي المتعب بإرضاء المغرب والإشارة إلى إسبانيا أنها كانت هي المسؤولة أخيراً عن انزلاق الأمم المتحدة في اتجاه "الحل الثالث" الذي يمحو بجرة قلم كل مواثيقها خلال العقود الماضية حول تصفية الاستعمار من المنطقة.

هذا العمق المائي تكدر أكثر بفعل العديد من المبادرات المدنية التي تحركت أمام المحاكم الإسبانية وفي استراسبورغ بهدف إلغاء اتفاقيات مدريد الثلاثية. وشاءت المصادفة أن تسير فتوى السيد هانس كوريل المستشار القانوني للأمين العام للأمم المتحدة حول شرعية الاتفاقات التي أبرمها المغرب مع شركتي نفط أمريكية وفرنسية للتنقيب عن الثروات التي يُعرف منذ 1975 ان الإقليم الصحراوي يزخر بها، في نفس الاتجاه، واستغلال هذه الثروات كان سيعطي للحكومة المغربية بالإضافة إلى كونه حافزاً اقتصاديا مهماً، ورقة سياسيةً ثمينة لأن الجمود الدولي في هذا البند يعني الاعتراف الضمني بصلاحيات لا يمتلكها إلا من يمارس سيادة قانونية.

وعندما فاوض الاتحاد الأوروبي المغرب في مجال الصيد البحري أصبح شريكا في نهب ثروات الصحراويين، لأن معظم ما تضمنته تلك الاتفاقات من صيد كان يجلب من الشواطئ الصحراوية، وبذلك يكون الاتحاد الأوروبي مسؤول عن تشجيع السلطات المغربية على التصرف وكأن المجموعة الدولية وافقت على أن الصحراء "هي إحدى مكونات الهوية المغربية "، وبالتالي لا داعي لأن تخضع لإرادة الأمم المتحدة. وقد اكتفت بروكسيل إلى حد الساعة باتخاذ موقف من لا يعلم بحقيقة الواقع وقبعت في الخيال المنبثق عن اتفاقيات مدريد الثلاثية والتناقض الظاهري الناجم عن قبول إسبانيا للتفاوض حول القيام بالصيد في مياه ما زالت هي المسؤولة عنها قانونا بصفتها القوة القائمة على الإدارة.

لكن تحضيرات فتوى كوريل القانونية (المستشار القانوني للأمم المتحدة) التي انتهى فيها إلى الإشارة إلى أن اتفاقيات مدريد الثلاثية لم تعط للمغرب لا السيادة ولا حتى صفة الدولة القائمة على الإدارة في الصحراء الغربية، وكذلك إمكانية أن تؤكد إحدى المحاكم عدم شرعية تخلي إسبانيا عن الإقليم مع كل العواقب التي يحتمل أن تنجر عنه، أدى كل ذلك إلى دخول متغير جديد سيتقاطع مع هذا اللعب الخاطئ. وسيُظهر للرأي العام من جديد زور وبهتان اتفاقيات مدريد لكن بشعور محسوس بالكذب والغش، مما يضيق هامش المناورة على إسبانيا: حيث ستُجبر على أن تكون مع الشرعية الدولية أو أن تكون ضدها.

في هذا الإطار، كانت مطالبة المعارضة الاشتراكية لآثنار بزيارة المغرب شخصياً لمحاولة إعادة استئناف مفاوضات الصيد البحري تشكل في الظاهر "لفتة صغيرة" ربما تسنى لها الإسهام في إنقاذ أسطول الصيد التقليدي الأندلسي. لكن الرهان في الواقع كان ثمين جدا بالنسبة للمغرب في معركته التي يخوض بهدف إضفاء صبغة الشرعية على استثماراته البترولية في المياه الصحراوية ـ الكنارية، مع دخول عنصر تشريع متشدد جديد لن تتقاسم إسبانيا المسؤولية مع أي هيئة دولية أخرى (الاتحاد الأوروبي).

لكن الأزمات التي باتت دورية في العلاقة مع المغرب كانت دائما تأتي على شكل حجج رسمية تمكن المملكة العلوية من تمويه أسباب غضبها الحقيقية، خاصة عندما ينفضح زيف تصريحاتها المتشنجة التي تحاول من خلالها إيهام رأيها الشعبي أن قضية الصحراء مسألة "قد تم حسمها"، وقد وجدت سفسطتها ـ حججها* ـ في لعب دور الضحية أنه من المفيد الركوب في قاطرة الاتهامات التي حوّل من خلالها رودريغيث ثاباتيرو "عناد" خوسي ماريا آثنار مع المغرب إلى مثال على فشل السياسة الخارجية للحزب الشعبي وفقدان إسبانيا لمصداقيتها على المستوى الدولي.لأن الاحتجاجات المغربية ضد "رؤى التكبر البائدة " لحكومة آثنار تتظافر مع الحرب المعلنة على عجرفته أمام ناخبيه من قبل الحزب الاشتراكي، ضمن خطاب مناهض للإمبريالية مقبول لدى الرأيين العامين في المغرب وفي إسبانيا يمكن المغرب من إخفاء تجديد رفضه لأي خطوة دبلوماسية إسبانية لا تساند مصالحه.

وقد عكس الحبور الذي استقبل به رودريغيث ثاباتيرو في رحلته المثيرة للجدل إلى الرباط في كانون الأول/ ديسمبر 2001 رضى المغرب عن سلوك يرفع علم الدفاع عن "المصالح الإسبانية" عبر رسالة موجهة إلى المنظومة الدولية مفادها بأنه يوجد في إسبانيا من يفضل الابتعاد عن الشرعية الدولية.

وكان من المفيد جدا لسلطات الرباط التي ـ بالمناسبة ـ  لا تمتاز بنمط ديمقراطي ولا تقدمي، مواصلة دعم الخطاب الذي بادر الاشتراكيون إلى إضافته في حملتهم الانتخابية بعد أحداث 14 مارس، إلى نقائص اليمين، والمتمثل في تأزم العلاقات المغربية الإسبانية كجزء من عواقب سياسة اليمين " الذي لم يمارس السلطة بتواضع وتسامح". إن مناداة الحزب الاشتراكي "بالعودة إلى قلب أوروبا" تشكل في حد ذاتها حافزا لفرح الرباط بنجاح رودريغيث ثاباتيرو، وحتماً، لم يكن من اجل التضامن مع العراق أو لاحترام للشرعية الدولية.

لم تنظر الدبلوماسية المغربية إلى التحالف الذي نسجه الحزب الشعبي مع الولايات المتحدة الأمريكية في إطار المواجهة الفرنسية الأمريكية بعين الرضى حيث لم تجده يتوافق مع مصالحها التي فقدت بعض أوراقها الثمينة في علاقاتها التقليدية مع الولايات المتحدة الأمريكية بسبب لعبها لدور الشرطي المتفاني لفرنسا إفريقيا. وفعلا عزت الرباط ما عانته من تعثر في مجلس الأمن لذلك، عندما أصدر هذا الأخير  في سنة 2003 القرار  1495 الذي تضمن مخطط بيكر المرقع بخيار تم ترطيبه بتقرير المصير. ورغم أن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي بادرت إلى تقديم نص المبادرة بيد أن الرباط ترى أن أيادي الدبلوماسية الإسبانية كانت وراء تغيير موقف حليفتها التقليدية متشجعة بإمكانية أخذ مقابل لموقفها المؤيد للولايات المتحدة في حربها على العراق في هذه الجبهة.

وكانت الانتقادات التي وجهها السفير المغربي في الأمم المتحدة ـ محمد بنّونة ـ متهما إسبانيا باستغلال رئاستها الدورية لمجلس الأمن "بفقدان الحياد" والانضمام إلى الولايات المتحدة الأمريكية والجزائر لصالح أطروحة البوليساريو، تعبير عما أصاب الدبلوماسية المغربية من عصبية أمام كبر سعة هامش المناورة الذي حصلت عليه دبلوماسية آثنار في تلك الجبهة، توتر لم تهدّئه كلمات التطمين التي وجهها الوزير الفرنسي في ذلك الوقت إلى الملك محمد السادس عندما أكد له " أن فرنسا قريبة من وجهة النظر المغربية كما كانت دائما " في كل ما يتعلق بقضية الصحراء.

لذلك لا يمكن التشكيك في صدق الفرح المعبّر عنه في الرباط بفوز رودريغيث ثاباتيرو، والاستياء الأمريكي من انسحاب إسبانيا من العراق، الذي ترجم في حينه على أنه عرض ضعف قد ينفجر عند أول سبب لعدم الحياد. وقد أثبتت أزمة جزيرة البرسيل على أن التبني الفرنسي للمغرب يعطيه التفوق المطلق في إطار الاتحاد الأوروبي في حال نشوب أي أزمة مع إسبانيا. لذا فإن التخلي عن التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية سيضاعف من بقاء إسبانيا بلا ثقل أمام المبادرة الفرنسية بل سيزيد قوة باريس التي تدور في آخر المطاف حول مصالحها الذاتية، على المستوى الدولي.

إن الارتياح المغربي لإعادة قيام "الروح العائلية " بين مدريد وباريس لا ينبع من كونه تقدير لتغير موازين القوى فقط، وإنما لأن قابلية التأثر التقليدية والعفوية لدى اليسار الإسباني بالزعامة الفرنسية تفتح الباب أمام الحكومة الإسبانية من جديد لتتبنى ما سمي "بالحل السياسي" الذي يدافع عنه اليسار واليمين الفرنسيين على حد سواء، انطلاقا من وحدة لا تقبل الانفصام في الدفاع عن مصالح الدولة (الفرنكوفونية) وتضعها فوق كل خلاف إيديولوجي.

كما وجدت الدبلوماسية الفرنسية في استعادة التواصل مع إسبانيا أرضية مناسبة لزرع أطروحتها حول حيوية المساهمة في استقرار عرش الملك محمد السادس من خلال خيار يحرم الصحراويين من حق تقرير المصير ويفرض إعادة بناء هيكلة مقترح الحكم الذاتي الذي تضمنه مخطط بيكر الثاني ضمن "حكم ذاتي صالح" اسميا فقط. ولذلك كان مشكل الصحراء الغربية من بين الملفات التي تأبطها وزير الخارجية الفرنسي ميشيل بارنيير في أول لقاء جمعه مع موراتينوس في مدريد في الساعات الأولى من تأدية الأخير لقسم توليه منصب رئاسة الدبلوماسية الإسبانية. إن الحل "الواقعي" لحل هذا النزاع، يقول بارنيير: هو أحد التحديات التي ستسمح نهاية القوس الذي فتحته سياسة آثنار في العلاقات الإسبانية الفرنسية التقليدية " الجيدة " بالتوصل إليه بتفاؤل.

إن التصريحات التي أكد من خلالها ثاباتيرو للسلطات المغربية على أنه من ذلك الصنف الذي لا يؤمن بأن " تقرير المصير، وتنامي الوطنية أو بذرة التوجه إلى الدول المستقلة تمثل ضمانا لتقدم الشعوب" تؤكد حسن التوقعات المغربية والفرنسية. بينما يمكن الآن للحزب الاشتراكي أن يقدم نفسه أمام الرأي العام الإسباني على أنه صاحب مفاتيح التفاهم بين شطري المضيق ـ مضيق حبل طارق ـ *. لذلك ليس من المستحسن أن يغيب عن الأنظار أن كل تلك الأمطار التي تهاطلت بشكر رودريغيث ثاباتيرو إبان زيارته الأولى للمغرب كرئيس للحكومة الإسبانية قد تتحول إلى خدعة خطيرة إذا كان شرط بقائه على منصة المختارين هو عدم تجاوزه "للخطوط الحمراء" (كما يسمونها في الرباط) للشرعية الدولية. وذلك هو الحد المرسوم بدقة من قبل الإعلام المغربي تحت إشراف حديدي من القصر الملكي، عندما مزجوا الاحتفال "بعودة إسبانيا إلى العقلانية " ونسبوها إلى رودريغيث ثاباتيرو على أمل أن يكون "عهد الحوار الجديد" المغربي الإسباني سندا لمراكش ـ المغرب ـ* الكبير.

لكن القضية الصحراوية رغم كتمانها استطاعت تجميع ما يكفي من الحماس بين المواطنين الإسبان حيث قامت 8500 عائلة إسبانية باستضافة أطفال صحراويين خلال شهري العطلة الصيفية الماضية، وهي في غالبيتها عائلات مناضلة في صفوف اليسار لحزبي الاشتراكي العمالي الإسباني واليسار الموحد الذين شكلوا محور الاحتجاجات الكبيرة التي رفعت شعار "لا للحرب" ضد الحرب في العراق والذين سيكون من الصعب إفهامهم أن "حب" المغرب أو التواصل الجيد مع فرنسا يحتمان التضحية بحق الشعب الصحراوي.

إن خيبة ظن الرأي العام الإسباني التي قد يتسبب فيها اكتشافه بأن رودريغيث ثاباتيرو لم " يعد رجلا حكيما" بالنسبة لرجال الملك محمد السادس لا يمكنها أن تضاهي فقدان إسبانيا لمصداقيتها بسبب عدم التزامها بمسؤولياتها الدولية في الصحراء الغربية، ولا أن تضاهي الثمن الباهض الذي قد يجبر الناخبون الحزب العمالي الاشتراكي على دفعه مقابل اشتراكه في توجيه ضربة جديدة إلى الحق وإلى الأمم المتحدة. أما بالنسبة للمملكة المغربية فإنه يتوجب عليها تحسين وجهة نظرها فيما يتعلق بالشرعية الدولية وإعادة النظر في تلك الأحلام الإمبراطورية التي تتضارب مع الديمقراطية التي يتمنى شعبها، ولن يكون من المناسب لرودريغيث ثاباتيرو أن يدخل في مواجهة مع سلطة الذاكرة التاريخية لتعاطف الشعب الإسباني وللشرعية الدولية.

ملاحظة: كل كلمة أمامها هذه العلامة (*) هي من إضافة المترجم للتوضيح.

 

مقالات أخرى:

- هل تضيع قضية الصحراء بين الجزائر والمغرب؟

- قضية الصحراء الغربية إلى إنفراج؟

- قضية الصحراء الغربية حرب المصالح أبقتها معلقة في كل مرة!

- موريتانيا والنزاع على الصحراء وقصة "أُكلت يوم أُكل الثورُ الأبيض"

- المغرب وأستثمار الإرهاب.

- حصاد الإحتلال

المعارض المغربي هشام المنداري  يكشف أسرار خطيرة من كواليس القصر الملكي المغربي.  

الغزو المغربي:  زرع الاشواك وحصد العاصفة

عودة إلى الصفحة الرئيسية