هل تضيع قضية الصحراء بين الجزائر والمغرب؟

 

حفظ الله بشراي بشير:   باحث في مركز الدراسات الافريقية في جامعة السوربون - باريس  


ثمة توجه من قدر معين لدي بعض الاعلاميين ـ العرب، خاصة ـ حين يتعلق الامر بالنزاع علي الصحراء الغربية، الي معالجته ضمن اطار اخر غير اطار الشرعية الدولية، كما لو كان نزاعا مغربيا ـ جزائريا، وكما لو كانت الجزائر بدعمها لحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، مسؤولة عن تأخير الوصول الي حل، ومسؤولة ـ من وراء ذلك ـ عن كل مصائب التكامل الجهوي و الاتحاد المغاربي و مواجهة تحديات التكتلات العالمية .. وما الي ذلك من المقولات الجميلة التي رفعها المغرب الان، في معرض سعيه للتنصل من التزاماته الدولية تجاه تسوية النزاع.
اولا: فيما يتعلق بنزاع الصحراء الغربية، فان المرء لن يتعب من التكرار لاخواننا العرب، ان النزاع ولد في عهد سابق بسنوات لاية علاقة للجزائر ولا للمغرب بالموضوع، منذ بداية السبعينات مع قيادة جبهة البوليزاريو لنضال الشعب الصحراوي من اجل تقرير المصير والاستقلال في مواجهة الاستعمار الاسباني.. مواجهة افضت الي اخري اكثر قساوة، واكثر تدميرا، مع قرار المغرب باجتياح الاقليم سنة 1975، في تحد صارخ لنداءات مجلس الامن الدولي، ولمحتوي الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية اكتوبر 1975، الذي اكد علي عدم وجود اية روابط سيادة بين المغرب والاقليم من شأنها منع تنظيم استفتاء تقرير المصير .
خمس عشرة سنة بعد ذلك، باشرت الامم المتحدة خطة سلام لتنظيم استفتاء تقرير المصير في الصحراء الغربية، بعد التوقيع عليها من قبل طرفي النزاع المباشرين المغرب وجبهة البوليزاريو سنة 1991، وهي الخطة المتعثرة الي يومنا هذا، بسبب التحول الجوهري في موقف المغرب من التنصل التدريجي من التزاماته حول بنود محددة من مخطط السلام، خاصة ما يتعلق منه بتحديد هوية الناخبين علي اساس الاحصاء الاسباني، الي الرفض القاطع لاي تصور في التسوية يتضمن استشارة للشعب الصحراوي حول مستقبله، بغض النظر عن عدد او قاعدة التصويت. هذا الموقف الخارج عن كل سياق، يرفضه المجتمع الدولي (قرار مجلس الامن الدولي 1541/2004)، ويرفضه البلدان المراقبان (الجزائر وموريتانيا)، ويرفضه الشعب الصحراوي وممثله الشرعي والوحيد، جبهة البوليزاريو. وبغض النظر عما يطرحه موقف كذلك من تساؤلات بديهية، حول مدي ثقة المغرب في عدالة قضيته، ما دام رفض مبدأ الاستفتاء كيفما كان، دليل واضح علي تمسك الصحراويين ـ او علي الاقل، غالبيتهم ـ بخيار الاستقلال ـ فان بيت القصيد، بالنسبة لنا جميعا عربا وعجما، هو احترام الشرعية الدولية، وترك النزاع في اطاره التاريخي والقانوني، اي الامم المتحدة، والا فكيف ينادي العرب باحترام ذلك الاطار في العراق وفلسطين، وينادي اغلبهم، لسوء الحظ، بعكسه في الصحراء الغربية؟
ثانيا: موقف الجزائر من النزاع، والذي تعب الكثير من اعلاميينا العرب، عبثا، في وضعه ضمن اطار صراع زعامة بين المغرب والجزائر، فيما ذهب اخرون الي التأكيد علي تفاصيل مضحكة احيانا، من مثل البحث عن منفذ علي الاطلسي او قطع المغرب من عمقه الافريقي .. الخ.
وبالرغم من انني لست بصدد الدفاع عن الجزائر فـ للكعبة رب يحميها كما يقال، والجزائريون ادري واقدر علي ذلك، الا ان بعض الابعاد الجوهرية لفهم حقيقة الموقف الجزائري، تغيب، وربما تغيب، ضمن سجالاتنا الاعلامية العربية، ويبقي من المفيد التذكير بها، عسي ولعل.
اكتوت الجزائر 13 سنة قبل الاجتياح المغربي للصحراء الغربية، بنار التوسع المغربي سنة 1963 ضمن ما اصطلح علي تسميته لاحقا حرب الرمال ، مثلما ظلت موريتانيا، سنوات عديدة، عرضة لمطالب تاريخية من طرف المغرب. ولذا فان موقف الجزائر سيكون غير منطقي فقط، اذا سار في اتجاه غير دعم حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال.
وبعدئذ، فان مواقف الجزائر لاسباب تتعلق بتاريخها وبالدور الذي ارادته لنفسها منذ السنوات الاولي لاستقلالها، كبلد فاعل في حركة الانسانية من اجل عالم حر وعادل، تجد فيه جميع شعوب الارض حقوقها كاملة في الوجود، لا تقف عند مصادرة حق الشعب الصحراوي في الوجود فقط ففي الوقت الذي كانت الجزائر تدعم الثورة في الكونغو الديمقرطي (الزائير، سابقا) مطلع الستينات، كان المغرب يدفع بزعيمها باتريس لومومبا الي حبل المشنقة. وحين كانت الجزائر تدعم وتستضيف رموز نضال المؤتمر الوطني الافريقي علي اراضيها كمانديلا ورفاقه، كان المغرب وقتها يخيط علاقة خاصة مع نظام بريتوريا العنصري. ولما كانت الجزائر تجهر بجميع لغات العالم انها مع فلسطين ظالمة ومظلومة ، كانت بعض الحكومات العربية تبيع جلسات القمم العربية للموساد الاسرائيلي ، كما كان قد اكد الدكتور حسنين هيكل.
امام كل ذلك، هل سيكون من المعقول ان تدعم الجزائر حق تقرير مصير شعب تيمور الشرقية في اقصي جنوب شرق اسيا، وتدير الظهر له علي حدودها الجنوبية الغربية ، كما ظل يؤكد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة.
ان النزاع علي الصحراء الغربية اعمق من مجرد الاحكام الانطباعية، والشعب الصحراوي ـ علي قلته العددية ـ برهن طيلة الـ30 سنة الماضية، انه الرقم المحدد في المعادلة، ومن مصلحة الجميع ان يمكن هذا الشعب من حقه الديمقراطي في تقرير المصير. فأية ديمقراطية هذه التي يتحدث عنها في الرباط، وقد استحال صندوق التصويت في استفتاء الصحراء الغربية الي فزاعة تؤرق مضاجع الاوساط السياسية الرسمية المغربية؟

القدس العربي -  2004/06/17

 

مقالات أخرى:

- قضية الصحراء الغربية إلى إنفراج؟

- قضية الصحراء الغربية حرب المصالح أبقتها معلقة في كل مرة!

- مفترق الطرق الشرعية الدولية في العلاقات مع المغرب

- المغرب وأستثمار الإرهاب.

- حصاد الإحتلال

-المعارض المغربي هشام المنداري  يكشف أسرار خطيرة من كواليس القصر الملكي المغربي.  

-الغزو المغربي:  زرع الاشواك وحصد العاصفة

 

 

عودة إلى الصفحة الرئيسية