المنظمة الإفريقية

والقضية الصحراوية

 

على الرغم من أن هيئة الأمم المتحدة كانت سباقة إلى المطالبة بتمكين الشعب الصحراوي من تقرير مصيره بنفسه إلا أن منظمة الوحدة الافريقية كانت أكثر حزماً في موقفها الداعي إلى تصفية الاستعمار وإلى الوقوف بصرامة أمام  العدوان المغربي - الموريتاني  الذي مثل خراقاً سافراً  لواحد من أهم المبادئ التي نص عليها الميثاق التأسيسي للمنطمة ألا وهو مبدأ "أحترام الحدود الموروثة عن الاستعمار"  بالاضافة إلى مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها وضرورة استكمال تصفية الاستعمار من القارة السمراء.

وقد يكون من سخرية الاقدار أن اجتماع مجلس  وزراء الخارجية الافارقة المنعقدة في الرباط  (المغرب) في 12 يونيو - حزيران 1972م أصدر بياناً جاء فيه أن " المجلس يعرب عن تضامنه مع سكان الصحراء الغربية  الواقعة تحت الاحتلال الاسباني ويدعو إلى إلزام اسبانيا بضرورة إيجاد مناخ  حر وديمقراطي يمكن سكان هذا الاقليم من ممارسة حقهم في تقرير المصير و الاستقلال في أقرب الاجال وفقاً لميثاق الأمم المتحدة". وفي يناير- كانون الثاني 1976م أوصى أجتماع لجنة التحرير التابعة لمنظمة الوحدة الافريقية في مابوتو (موزمبيق )  بالإعتراف بجبهة البوليساريو كحركة تحرير افريقية  و في مؤتمر ليبروفيل (الغابون) في شهر يوليو- تموز 1977م شارك وفد من الجبهة في اشغال مؤتمر الوحدة الإفريقية وهو المؤتمر الذي قرر أستدعاء مؤتمر طارئ لمناقشة القضية الصحراوية يعقد خلال الفترة مابين 24-30 مارس -آذار 1978م في العاصمة الزامبية  لوساكا  غير أن هذا المؤتمر تأجل مرتين. ويعتبر مؤتمر القمة المنعقد في الخرطوم (السودان) في 17 يوليو- تموز 1978م  مرحلة هامة في تاريخ التعامل الافريقي مع الملف الصحراوي حيث أكد المؤتمرون ضرورة وقف العمليات العسكرية في المنطقة من جهة ومن جهة أخرى ضرورة البحث عن حل سياسي للنزاع على ضؤ قرارات المنظمة ووفقاً لميثاق الامم المتحدة. ونتج عن المناقشات المعمقة حول المسألة الصحراوية في هذا المؤتمر إنشاء لجنة حكماء من خمسة رؤساء أفارقة ضمت كل من رؤساء السودان وغينيا ومالي ونيجيريا وتنزانيا لدراسة معطيات الملف الصحراوي بما في ذلك حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير وذلك بقصد تقديم أقتراحات وتوصيات محددة لمؤتمر القمة الافريقية اللاحق. وأنبثقت عن لجنة الحكماء لجنة فرعية ضمت الامين العام لمظمة الوحدة  الافريقية  ورئيسا مالي ونيجيريا قامت بعقد لقاءات مع المغرب و البوليساريو وموريتانيا و الجزائر واسبانيا للإستماع إلى وجهات النظر المختلفة حول المسألة الصحراوية.   وفي نهاية أجتماع لجنة الحكماء الافارقة  في الخرطوم في 23 يونيو- حزيران 1979م  تبنت اللجنة قراراً يوصي بالوقف الفوري لإطلاق النار وممارسة الشعب الصحراوي لحقه في تقرير المصير عبر أستفتاء  حر و عام  كما رفعت إلى مؤتمر القمة ملفاً كاملاً حول القضية الصحراوية . هذا  وقد تبنى مؤتمر القمة المنعقد في منروفيا (ليبيريا) في الفترة مابين 17 و20 يوليو- تموز 1979م قرار لجنة الحكماء الافارقة من خلال قراره المصادق عليه بثلاثة وثلاثين صوتاً ضد صوتين والذي جاء فيه  على الخصوص مايلي " بإعتبار أن كل الاطراف المعنية باستثناء المغرب متفقة على أن شعب الصحراء الغربية لم يمارس حقه في تقرير المصير ولما كان الإتفاق الثلاثي بين أسبانيا والمغرب وموريتانيا يخص فقط تسليم إدارة الاقليم للمغرب وموريتانيا وهولا يشكل تسليماً للسيادة فإن اللجنة الخاصة توصي بمايلي:     1 ) الاعداد لجو ملائم لتحقيق السلام والمحافظة عليه في المنطقة بإحترام وقف اطلاق نارعام وفوري.   2 ) ممارسة شعب الصحراء الغربية حقه في تقرير مصيره من خلال استفتاء عام وحر يمكنه من تبني احد الاختيارات التالية: أ. الاستقلال التام         ب. المحافظة على الوضع الراهن.        3) أجتماع الأطراف المعنية لطلب تعاونها قصد تطبيق التوصيات.           4) تشكيل لجنة من ستة أعضاء في منظمة الوحدة الأفريقية تكلف بتحديد الأجراءات ومراقبة الاستفتاء بالتعاون الكامل مع هيئة الامم المتحدة." وقد اجتمعت اللجنة السداسية في الاسبوع الاول من ديسمبر- كانون الأول 1979م في العاصمة الليبيرية  مع جميع الاطراف والتي حضرت  باستثناء المغرب الذي بدأ يشعر بأنه يسبح عكس التيار خاصة أن هذا الاجتماع جاء بعد توقيع اتفاق السلام بين جبهة البوليساريو والحكومة الموريتانية التي انسحبت من الاراضي الصحراوية التي سبق وان احتلتها مناصفة مع المغرب. وفي العاصمة السيراليونية فريتاون انعقد اجتماعان في يوليو- تموز  وسبتمبر- أيلول 1980م .وتميزت هذه اللقاءات بمحاولات المغرب التهرب من المساعي الرامية إلى تنفيذ القرارات الصادرة عن المؤتمرات السابقة  غير أن لقاء فريتاون الثاني اصدر توصيات هامة تركزت على ضرورة الاسراع بتنظيم استفتاء حر لشعب الصحراء الغربية وكذلك توجيه نداء الى الاطراف المعنية لوقف اطلاق النار بصفة فعلية في شهر ديسمبر 1980م وإبقاء القوات العسكرية في ثكناتها وقواعدها وهي التوصيات التي قوبلت برفض مغربي.

وسعياً من المغرب لمنع قبول طلب الجمهورية الصحراوية الانضمام إلى منظمة الوحدة الافريقية شارك الحسن الثاني ملك المغرب في أعمال مؤتمر القمة الافريقية الثامن عشر المنعقد في نيروبي (كينيا) في شهر يونيو 1981م وأعلن في خطابه أمام القمة الافريقية قبول المغرب أجراء استفتاء مراقب  في الصحراء الغربية ولكن ملك المغرب ما أن عاد إلى بلده حتى صرح في ندوة صحفية عقدها يوم 2 يوليو- تموز 1981م  أن الاستفتاء  - كما يراه- لا ينبغي أن يكون إلا تأكيدياً لضم الصحراء الغربية للمغرب. وكان مؤتمر القمة الافريقية  قد اصدر لائحة اكد فيها على حق الشعب الصحاوي في تقرير المصير وطالب أطراف النزاع بوقف اطلاق النار كما انشأ المؤتمر لجنة من سبعة أعضاء لتحضير اجراءات الاستفتاء في الصحراء الغربية بالتعاون مع الامم المتحدة.

في أواخر فبراير- شباط 1982م في الدورة الثامنة و الثلاثين لمجلس وزراء الخارجية الافارقة المنعقد في أديس أبابا (أثيوبيا) وبناءً على أحكام المادة الثامنة والعشرين من ميثاق المنطمة أعلن عن قبول طلب الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية كعضو كامل العضوية في منظمة الوحدة الافريقية بعد أعتراف 26 دولة من أعضاء المنطمة به  لتصبح بذلك العضو الواحد و الخمسين في منظمة الوحدة الأفريقية وهو ما تبعه أنسحاب المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية والتي لم يعد إليها حتى الآن.

بسبب حالة العداء التي أبدتها الادارة الامريكية برئاسة ريغان تجاه الجماهيرية العربية الليبية والتي بلغت ذروتها بالقصف الجوي الامريكي للمدن الليبية سعت الادارة الامريكية لمنع تسلم القائد الليبي معمر القذافي رئاسة المنظمة الافريقية من خلال دعوتها الدول الافريقية الموالية لها إلى مقاطعة مؤتمر الوحدة الافريقية الذي كان من المقرر أن ينعقد  في طرابلس في اغسطس- آب 1982م  واستجابت بعض الدول الافريقية بعد جولة نائب الرئس المريكي حينها جورج بوش (الأب) و الممثل الامريكي في الامم المتحدة كيرباتريك إلى عدد من تلك الدول. (أنظر صحيفة لوموند :10.6.1982) وقد قاد هذا التوجه الداعي لمقاطعة القمة الافريقية في ليبيا كل من المغرب وزائير(الكونغو الديمقراطية حالياً) والسينغال و السودان و الصومال  بقصد منع القمة من الانعقاد لعدم توفر النصاب القانوني المتمثل في حضور 34 من الدول الاعضاء.  وكان مبرر المقاطعة هو رفضهم المشاركة في القمة في حالة حضور الوفد الصحراوي لجلساتها وهو ماحصل بالفعل وأصبحت منظمة الوحدة الافريقية على شفا الانقسام على نفسها.  ولتفويت الفرصة على اعداء أفريقيا وحفاظاً على وحدة المنظمة قرر الوفد الصحراوي إلى القمة الانسحاب الطوعي و المؤقت من اعمال القمة الافريقية. وعلى الرغم من المساهمة الصحراوية في لم الشمل الافريقي فإن مؤتمر القمة لم ينعقد في ليبيا الشئ الذي يظهر ان حضور الوفد الصحراوي لم يكن إلا ذريعة من الدول التي اتأمرت بتوجيهات واشنطن وباريس لمنع انعقاد القمة في طرابلس وكانت الحجة هذه المرة تمثيل جمهورية تشاد في القمة. وعند ما تبين أن النصاب القانوني لايمكن ان يحصل عليه لعقد القمة في طرابلس الغرب عقد قادة 30 دولة عرفت باسم "افريقيا الحرة" مؤتمراً  إعلامياً في طرابلس نوقش فيه الوضع في افريقيا و المخاطر التي تتهدد وحدة المنظمة من جراء التدخل الاجنبي وخاصة الامريكي- الفرنسي  في شؤون القارة السمراء. وأعلن المؤتمرون تضامنم مع الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية  في كفاحها العادل من أجل الاستقلال و السيادة  كما دعوا الجمهورية الصحراوية والحكومة المغربية إلى البحث عن حل سلمي للنزاع بينهما.

في يونيو- حزيران 1983م التأمت القمة الافريقية في مقر المنظمة في أديس ابابا(اثيوبيا) وهو ماشكل نجاحاً لإفريقيا بتجاوزها طور الانقسام و تثميناً من القادة الافارقة لروح المسؤولية العالية التي أبدتها الجمهورية الصحراوية بهدف انجاح مؤتمر القمة تبنى المؤتمر بالإجماع اللائحة 104 التي تدعو إلى المغرب وجبهة البوليساريو كطرفي نزاع إلى اجراء مفاوضات مباشرة للوصول إلى وقف اطلاق النار وخلق الظروف الملائمة لاجراء استفتاء حر وعادل من اجل تقرير مصير الشعب الصحراوي دون ضغوط إدارية او عسكرية وتحت اشراف منظمة الوحدة الافريقية وهيئة الامم المتحدة . كما تدعو القمة هيئة الامم المتحدة لإرسال قوة حفظ سلام إلى الصحراء الغربية قبل اجراء الاستفتاء وهذه اللائحة كانت الاساس الذي بني عليه مشروع الامم المتحدة للسلام في الصحراء الغربية.

لقد وجدت القرارات الافريقية قبولاً واسعاً من طرف المجتمع الدولي وشكلت بداية العمل المشترك بين منظمة الوحدة الافريقية والامم المتحدة سعياً نحو حل سلمي وعادل لنزاع الصحراء الغربية يقوم على تمكين الشعب الصحراوي من تقرير مصيره بنفسه والتعبير عن اختياراته بحرية وبضمانات دولية وهو مايشهد بالدور الجبار الذي بذلته الشعوب والحكومات الافريقية في مسعاها لحل مشكلة الصحراء الغربية التي تشكل آخر المستعمرات في القارة التي لم تتم فيها عملية تصفية الاستعمار حتى الآن.

في السنوات اللاحقة سعى المغرب ما استطاع إلى تقليص دور المنظمة الافريقية في حل النزاع وتأكيد ثقته في الامم المتحدة فقط ومع ذلك لم تتوقف محاولاته الممنجهة وسعي الحكومات اليمينية الفرنسية إلى جر بعض الدول الافريقية التخلي عن دعمها للقضية الصحراوية وأنفق المغرب وفرنسا أموالاً باهظة لشراء الذمم واستعملوا سلاح الغذاء و المساعدات دون جدوى ولم تفلح تلك الجهود مع منظمة الوحدة الافريقية ولا مع الاتحاد الافريقي الذي نشأ كبديل عن المنظمة القارية العتيقة بل أعلنت دول الاتحاد الافريقي أختيارها للرئيس الصحراوي واحداً من النواب الخمس لرئيس الاتحاد الذي كانت الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية خامس بلد وقع على ميثاقه التأسيسي في حين ظل المغرب يمارس سياسة الكرسي الشاغر ليكون بذلك البلد الوحيد في القارة الافريقية الذي يقع خارج إطار الاتحاد الافريقي وهو مايحرمه من البرنامج التنموي " نيباد" الذي تبنته الامم المتحدة ومجموعة الدول الصناعية الثمان الكبرى للنهوض بافريقيا من جهة ومن جهة أخرى يقف المغرب حجرة عثرة  أمام التعاون الافريقي- العربي وهو ما يقطع جسور التواصل بين العرب ومحيطهم الافريقي التي ظلت قائمةً لعدة قرون وما لذلك من آثار بالغة على  مصالح العرب ورسالة الاسلام من جراء  الانكفاء العربي عن العمق الافريقي وهو ما يعني تركه مرتعاً  للنشاط الصهيوني و حملات التبشر  التي تعتبر أفريقيا الميدان الاول  لمعركتها مع الاسلام .

 

عودة إلى الصفحة الرئيسية

1